بدأت في الفترة الأخيرة في عالمنا العربي ظهور مجموعات وحركات تدعو وتوجه الناس في المجتمع العربي للنظر بتمعن في قضية الصم والبكم، وكيف يجب علينا التواصل معهم وإدخالهم في نشاطات مجتمعية، بل حتى وصولهم إلى مراتب عالية في الدولة، وتدعو الناس إلى تغيير النظرة السائدة في المجتمع عن هذه الفئة، وأيضا تحاول نشر لغة الإشارة وإيصالها إلى أكبر عدد ممكن من الناس لدعم هذه الفئة وإشعارهم بأنهم جزء مهم في المجتمع، وأن هذه الإعاقة لن تمنع الناس من التواصل معهم واحترامهم.

وأنظر في هذا البحث إلى الدول العربية وما يتعرض له الصم والبكم، سواء من لطف في التعامل أو مضايقات، وأنظر أيضا إلى لغة الإشارة في مجتمعاتنا، كيف بدأت بالزيادة؟ ومتى؟ وهل يرغب الناس في تعلمها؟ للتعامل بشكل طبيعي مع الصم والبكم، سأبدأ بدولنا العربية واحدة تلو الأخرى لنرى الفوارق بين الدول العربية في التعامل مع هذه الفئة.

مصر: يتراوح عدد الصم والبكم في مصر حوالي 7 مليون نسمة، ويعانون من التهميش في كافة المجالات، وخصوصا التعليم، حيث إنهم يحرمون من استكمال دراستهم الجامعية، وذلك رغم العديد من القوانين والأنظمة المصرية التي تحفظ حقوقهم، ولكن لا أحد يبالي، حتى على صعيد المدارس فلا يتمكنون من فهم ما يدرس لهم لأنهم لا يعرفون العربية ولا يوجد من يدرّس لهم بلغة الإشارة، ويوجد في مصر حوالي 100 مدرسة مخصصة للصم والبكم، لكن بدون رقابة، وغالبية هذه المدارس لا تحتوي متخصصين بلغة الإشارة، ولا يوجد العديد من المراكز الخاصة لتعليمهم بعيدا عن الحكومة، حتى الشعب المصري، فهو لا يولي أهمية كبرى لهذه الفئة، ولا يهتم كثيرا بالتواصل معهم، إلا ما رحم ربي.

ليبيا: ليس هناك نسبة دقيقة لعدد الصم والبكم في ليبيا، ولكن يوجد العديد من المراكز التي تدعمهم وتعلمهم، وعقدت في الفترة الأخيرة (رغم الحرب) العديد من الدورات لمعلمي الصم والبكم للرفع من كفاءتهم، وأيضا على مستوى اللغة فهي منتشرة نوعا ما في ليبيا مقارنة بمصر، وعلى الصعيد الرياضي سيتم قريبا إنشاء ناد رياضي للصم والبكم في بلدة زليتين، وأيضا في نطاق المسابقات العالمية حاول المنتخب الليبي للصم والبكم المشاركة في بطولة العالم، ولكن لم يحالفهم الحظ، وأيضا تم إيجاد تطبيق للهواتف المحمولة لمساعدة الصم والبكم في التواصل مع المجتمع.

السودان: يصل عدد الصم والبكم في السودان إلى 3 ملايين، يعاني الصم والبكم من بعض المضايقات من الحكومة، ولا يأخذون حقوقهم كاملة، ولكن هناك العديد من الجمعيات والمؤسسات التي تقاتل لإعطائهم حقوقهم المطلوبة، وأيضا القانون السوداني يكفل حقوق هذه الفئة، هناك عدة جمعيات تُعنى بتعليمهم وتأهيلهم للخروج إلى المجتمع قادرين على مواجهة التحديات التي تواجههم، وليس للغتهم انتشار كبير في السودان.

الصومال: ليس هناك العديد من المعلومات عن الصم والبكم في الصومال، ولكن تم قبل عامين افتتاح أول مدرسة لتعليم الصم والبكم في العاصمة مقديشو، وهذا يدل على أن الحكومة والشعب بدأوا يلتفتون لهذه الفئة.

جيبوتي: لا توجد معلومات.

جزر القمر: لا توجد معلومات.

الجزائر: يبلغ عدد الصم والبكم في الجزائر 70000 شخص تقريبا، حقوقهم محفوظة نوعا ما وهناك العديد من الجمعيات التي تحفظ حقوقهم وتصونها وتعلمهم، وأيضًا تم افتتاح أول مطعم للصم والبكم في العاصمة، وأصدرت الحكومة مؤخرًا قرارات بالإهتمام في هذه الفئة وأنها أصبحت من الأولويات عندهم، وتدرّس لغة الإشارة في العديد من المراكز الجزائرية، وتصل إلى العديد من الناس.

تونس: يتراوح عدد الصم والبكم في تونس حوالي 180 ألف نسمة، يعانون من الإهمال الحكومي والشعبي نوعًا ما، ووصل بهم الحال إلى النزول في مظاهرات للمطالبة في حقوقهم الشرعية والتي يكفلها القانون، وفي الفترة الأخيرة ظهر ابتكار تونسي يمكن الصم والبكم من التعامل مع الهاتف المحمول، وعقدت قبل بضعة أعوام بطولة رياضية للصم والبكم بمشاركة فلسطينية في تونس، ويرى الشباب التونسي أن هذه الفئة يجب احترامها وإعطائها حقوقها، ويدافعون عنهم، وهذا يدل أن المجتمع التونسي بدأ يغير نظرته تجاه هذه الفئة وخصوصًا الجيل الشبابي الصاعد.

المغرب: ليس هناك معلومات عن عدد الصم والبكم في المغرب، ولكنهم يعانون من العديد من المشاكل، وخصوصًا على صعيد التعليم، حيث إن عدد المراكز الموجودة في المغرب قليلة جدًا، ولا تلبي الاحتياجات والأعداد الموجودة، ولكن على الصعيد الرياضي هناك أندية قليلة للصم والبكم، وهناك منتخب وطني لهذه الفئة، أما لغة الإشارة فعدد من يتقنونها قليل والشعب المغربي بشكل عام ليس مهتمًا بتعلمها، ولكن هناك بعض الشباب المغربي ينظرون إلى هذه الفئة بأٌهمية ويحاولون مساعدتهم، لعل وعسى يتمكنون من أهدافهم في الحفاظ على الحقوق.

موريتانيا: هناك العديد من المراكز والجمعيات للصم والبكم، وتعليم لغة الإشارة للناس، ولكن على الصعيد الحكومي هناك إهمال في حق هذه الفئة.

اليمن: رغم الحروب التي تعاني منها اليمن والتخلف الذي يكتنف شعبها، فإن هناك اهتماما واسعا في حقوق الصم والبكم، ويوفرون لهم مؤسسات وجمعيات للعناية بهم، وأقيم في العام 2010 حفل زفاف جماعي لمجموعة من الصم والبكم، في لفتة طيبة وجميلة من الدولة، التي استحدث أيضًا كتاب للغات الإشارية حتى يسهل تواصل هذه الفئة مع العالم الخارجي، وهناك أيضًا صندوق لدعمهم ودع نشاطات الجمعيات اليمنية المعنية بالصم والبكم.

عُمان: لم أستطع الحصول على معلومات عن الصم والبكم في عُمان.

الإمارات: هناك العديد من الجمعيات الداعمة لحقوق الصم والبكم، وجمعيات لتعليمهم وقوانين لحفظ حقوقهم المختلفة، والعديد من النشاطات الرياضية والمجتمعية.

البحرين: يوجد عدد قليل من الجمعيات والؤسسات المعنية بحقوق الصم والبكم، وخصوصًا جمعية الصم والبكم والبحرينية التي تنظم العديد من ورشات العمل والدورات لنشر لغة الاشارة وأيضًا لإدخالهم في المجتمع والاشتراك في النشاطات مع الناس الآخرين، وحتى رياضيًا فهناك بعض الفرق المخصصة للصم والبكم والتي تشارك في دوريات عالمية.

قطر: يُعنى القطريون بهذه الفئة في المجتمع، وينظمون العديد من زيارات التبادل مع المراكز الأخرى في العالم، وتهتم الحكومة القطرية في دعم هذه الفئة وتدعم الجمعيات والمراكز الموجودة في قطر، وأيضًا على مستوى التعليم والصحة تتميز قطر بوجود مشفى خاص للصم والبكم وذوي الاحتياجات الخاصة، أما على مستوى التعليم فهناك العديد من المراكز المعنية بالتعليم.

الكويت: في التجربة الكويتية في هذا الموضوع تطور سريع على كافة الأصعدة، فالبنك الوطني الكويتي عيّن موظفين ممن يتقنون لغة الإشارة لخدمة الصم والبكم، وأيضًا على الصعيد الرياضي هناك النادي الصم الكويتي، وهو نادي رياضي للصم والبكم، وأيضًا في الصحة والتعليم هناك العديد من المراكز والمستشفيات المعنية بهذين السياقين، وفي التعليم أيضًا هناك مناهج تدرس خصيصًا للصم والبكم، وتسعى الحكومة لتعليم الناس بشكل عام لغة الإشارة حتى يتمكنون من التواصل معهم بشكل سهل وسلس.

السعودية: يصل عدد الصم والبكم في السعودية إلى 720 ألف شخص، يعانون في الغالب من تقصير شعبي وحكومي، رغم وجود بعض الإيجابيات في التعامل معهم من قبل الحكومة التي تفتح لهم أبواب العمل والمشاركة في الحياة المهنية، وأيضًا على الصعيد الرياضي فهناك تقدم كبير، أما صحيًا فهم كأي فرد من أفراد المجتمع وليسوا مميزين بمستشفيات خاصة فيها من يتحدث بلغتهم، أما على صعيد التعليم فهناك الكثير من المدارس والمراكز لتعليم لغة الإشارة للصم والبكم والناس ولكن تعاني المدارس الجكومية من إهمال في حقهم ولا يوفرون لهم معلمين يتحدثون لغتهم، والآن بعد تغير النظام السعودي وأصبحت قيادته بيد شاب، فيتوقع إهتمام زائد لهذه الفئة في المرحلة القادمة.

لبنان: يوجد مؤسسات عديدة لدعم الصم والبكم في لبنان ولكن تعاني من إهمال حكومي، ويحاول بعض اللبنانيين الاهتمام بهذه الفئة وتدريبها، وأيضًا صحيًا وتعليميًا تعاني هذه الفئة من إهمال واضح وتقصير حكومي وشعبي، وليس هناك الكثير لفعله فهناك مؤسسات ومراكز تحاول منذ فترة لإعادة هذه الفئة إلى الواجهة.

العراق: لم أتمكن من الحصول على معلومات.

الأردن: تحتوي الأردن على العديد من المراكز والمؤسسات الداعمة للصم والبكم، وتهتم الحكومة نوعًا ما بهذه الفئة وتدريبها وتعليمها، عبر دعم المراكز الخاصة بهم، وأيضًا فتح مدارس خاصة لتعليمهم وتدريسهم حتى يتمكنوا من التعامل مع الناس، وهناك بعض المجموعات الشبابية الموجودة التي تطالب الناس أنفسهم لتعلم لغة الإشارة حتى نسهل الأمور عليهم في قضية الإتصال والتواصل معهم، ومن أهم المراكز الموجودة النادي الأردني للصم والبكم، عدا عن برامج التأهيل المهني للسماح لهم لدخول للعمل.

سوريا: الصم والبكم في سوريا يتعلمون لغة الحرب، فالحرب الدائرة منذ 2011 في سوريا قتلت العديد من هذه الفئة عدا الإصابات، ويتعلم الصم هذه الإشارات حتى يتمكنوا من وصف ما يحدث في سورياهم، تعليميًا يعاني الصم والبكم في هذه المرحلة كثيرًا جراء الحرب، ولكن حتى قبل ذلك فلم تكن الدولة السورية تهتم بهم كثيرًا ولا توليهم أهمية كبيرة، المشكلة الآن أن داعش أصبحت تخاطب هذه الفئة للانضمام إلى صفوفهم ودعمهم في المعارك، حيث انضم بضعة أشخاص من الصم والبكم لهذا التنظيم.

فلسطين: يصل عددهم إلى أكثر من 200 ألف شخص، يُعنى بالصم والبكم بشكل كبير في فلسطين، في كل المدن وعلى كل المستويات، حيث طورت طالبة فلسطينية من نابلس تطبيقًا للتواصل مع الصم والبكم إلكترونيا، وقد دشن البنك الإسلامي الفلسطيني استخدام لغة الإشارة في تعاملاته المصرفية، كأول بنك في الشرق الأوسط يشغل موظفين كطرف ثالث للتعامل مع الصم والبكم، وحصلت قبل فترة عدة نشاطات للصم والبكم في طولكرم بمناسبة اليوم العالمي للصم والبكم، حيث إن هناك العديد من المراكز الداعمة للصم والبكم وجمعيات عديدة تعنى بتعليمهم وتأهيلهم في كل محافظات الوطن.

بشكل عام هناك تفاوت واضح بين الدول العربية في تعاملها مع الصم والبكم، ولكن يجب علينا كعرب دعم هذه الفئة بشكل كبير في كل مكان في عالمنا العربي حتى يصبح وجودها شيئا عاديا عند الناس، وحتى يفهم الجميع أننا كلنا سواسية كأسنان المشط، وسوف ترون دورهم المجتمعي الكبير في الفترة القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك