محاولة للإجهاز على القضية الفلسطينية

تستمر محاولات تطبيق صفقة القرن والتي بدأت تفاصيلها في الظهور ومنها بعض المعلومات التي سربت أخيرًا من المسؤولين الامريكيين وبالتحديد من كوشنر زوج ابنة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والذي يتولى الملف الخاص بالشرق الأوسط والمنطقة.

وتسعى هذه الصفقة لضرب عدة عصافير بحجر واحد.

أولا: إنهاء القضية الفلسطينية بشكل نهائي يتناسب مع المطالب الإسرائيلية برفض وجود دولة فلسطينية تمتلك الحد الأدنى من مقومات الحياة، وتستبعد كافة القرارات الدولية التي تمثل المرجعية الدولية لحقوق الشعب الفلسطيني وخاصة القرار 181 لسنة 1947 وهو قرار التقسيم الذي أنشئ وفقًا له الكيان الصهيوني ولم تنشأ الدولة القلسطنية التي نص عليها. والقرار 194 الصادر عام 1948 الخاص بالحق في عودة اللاجئين إلى ديارهم التي هجروا منها في 48 و67. وأخيرًا القرار 242 الصادر عام 1967 إلى جانب عشرات القرارات الأخرى التي لا تجيز السيطرة على الأراضي بالقوة.

ثانيًا: الانطلاق من هذه النقطة إلى العمل على تحقيق تعاون عربي-إسرائيلي تلعب فيه دول الخليج دور الممول سواء بدفع تكلفة الصفقة وهي 50 مليار دولار.

ويرتكز هذا التعاون على الجانب الاقتصادي بإنشاء مشاريع مشتركة بين الطرفين.

ترسيخ حل الخيار المصري بدلاً من الخيار الأردني، فبدلاً من إلحاق قطاع غزة بالأردن وأن يكون الأردن الوطن البديل للفلسطينيين. بالعمل على تهجير جزء من الفلسطينيين لسيناء وتمويل مشاريع اقتصادية في العريش ومنها مطار وميناء دولي لمساعدة الفلسطينيين اقتصاديا. في مقابل تبادل أراض من النقب بأراض في سيناء.

التركيز على إبراز ميزات التعاون العربي-الإسرائيلي على المستوى الاقتصادي والسياحي والصناعي.

وعدم ربط هذا التعاون -الذي يخطط ليكون استراتيجيًا وعلى المدى الطويل- بالقضية الفلسطينية باعتبار تم حلها بالفعل.

تجييش الجميع «العرب والكيان الصهيوني» في إطار مقاومة ما يسمى المشروع الإيراني في المنطقة، وإبراز خطورة إيران على دول الخليج وقيام الأخيرة بدفع أي تكلفة لمواجهة الطموحات الإيرانية والاستمرار في ابتراز الطرف الخليجي بدفع الأموال وشراء السلاح الأمريكي لتشغيل مصانع السلاح هناك.

التركيز على دور اليهود في العالم العربي وتعويضهم عن ممتلكاتهم، بدلا من الحديث عن الحق في العودة للشعب الفلسطيني.

يأتي هذا في سياق الاعتراف الأمريكي بالجولان كجزء من إسرائيل، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

ويعتمد التصور الأمريكي على حلفائه السعودية والإمارات في المورد المالي، ومصر بوضعها الاستراتيجي وقوتها البشرية، وفي هذا السياق عقدت السعودية القمم الثلاث الخليجية والعربية والإسلامية للعمل على حصار السياسة الإيرانية في المنطقة وإبراز قوتها وتعدد حلفائها.

لكن في هذا الوقت هناك عدد من التحديات تقف أمام التصور الأمريكي للإجهاز على قضية الشعب الفلسطيني بحل يبدو كأنه ينهي القضية حتى ولو على المستوى الشكلي وينهي دور الأمم المتحدة كطرف يتبنى القانون الدولي ومبادئه التي لا تجيز العدوان أو ضم أراض بالقوى والتي انعكست في عشرات القرارات الدولية الصادرة من الجمعية العامة ومجلس الأمن وكلها تؤيد الحق الفلسطيني في إنشاء دولة على الأقل في حدود 1967.

أول هذه التحديات هو الموقف الفلسطيني الرسمي نفسه والذي يبدو رافضًا لمثل هذه الصفقة وهو ما انعكس في الرئيس الفلسطيني أبو مازن ورفض المؤسسات الفلسطينية حضور أي تمثيل لمؤتمر المنامة الاقتصادي الذي عقد منذ أيام.

فضلا عن موقف منظمات المقاومة الفلسطينية وأكبرها حماس وحركة الجهاد الفلسطيني والجبهتين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين.

أيضًا موقف الشعب الفلسطيني سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية يبدو رافضًا لهذه الصفقة بقوة وتضحياته تشير بأنه سيقف بقوة أمام هذ المشروع.

إلى جانب هذا هناك مواقف بعض البلدان العربية والتي ليست متحمسة لهذا الصفقة مثل الأردن ولبنان وطبعا سورية بغض النظر عن حالة الصراع الداخلي هناك.

من ناحية أخرى هناك أطراف أخرى إقليمية مثل إيران وحلفائها سواء حزب الله في لبنان وحماس بالطبع لن تقف صامتة على الأقل سياسيًا تجاه ما يحدث. وأيضا الموقف التركي قد يكون متحفظًا على هذه الصفقة خاصة إذا لم تؤمن مصالحه الاقتصادية في المنطقة.

وأخيرًا اكتسب الموقف الشعبي العربي زخمًا حتى وإن كان محدودًا في اتجاه الرفض لهذه الصفقة التي تأتي في أشد لحظات الضعف العربي والتي تطيح بقرارات القمم العربية في تأييد قيام الدولة الفلسطينية، كما تربط أي تطبيع بوجود هذه الدولة.

كما أن ترامب أمامه انتخابات في 2020 وهي بالتأكيد لن تكون نزهة بالنسبة إليه في ظل التحقيقات الخاصة به في وزارة العدل والكونجرس الأمريكي.

وسنرى الأيام القادمة ما سوف يحدث في هذا السياق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد