دَوَاؤكَ فيكَ وما تَشْعُرُ … ودواؤكَ منكَ وما تبصرُ

وتحسبُ أنكَ جرمٌ صغيرٌ … وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ

من عرَف نفسه عرفَ ربّه، وهذه الذات هي الداءُ والدواء، فمِنَ الذات تبدأُ رحلةُ تغيير العالم.

الإنسان يعتبرُ نفسَه «مَتنًا» والآخرين «حواشيَ».

إن ّمعرفة الذات وحدودها، وتفاعلها مع الآخرين والكون والحياة، ومع خالقها، هو من جعل مجموعة من العظماء يتربعون على قمة البشرية من لدن آدم وإلى قيام الساعة.

حبّ الذات هو من دفع المتنبي ليقول:

سيعلم الجمعُ ممن ضمّ مجلسنا بأنني خيرُ من يسعى على قدمِ

وربما رأى الآخرين بدون أقدام!

وقول أبي فراس:

ألَمْ تَرَنَا أعَزَّ النّاسِ جَارًا  وأمنعهمْ ؛ وأمرعهمْ جنابا؟

لَنَا الجَبَلُ المُطِلُّ على نِزَارٍ  حَلَلْنَا النّجْدَ مِنهُ وَالهِضَابَا

وقد علمتْ ربيعة بلْ نزارٌ بِأنّا الرأسُ والناسَ الذُّنابى

تضخُّم الأنا طريق للإبداع وأحيانًا طريق إلى الغرور، وحدهم الذين تربّعوا على القمة هم من كانت «أناهم» الطريق إلى الله، منهم يوسف الصدّيق وهو يختم نجاحاته بدعائه: (توفني مُسلمًا وألحِقني بالصالحين)، وكعمر بن عبد العزيز صاحب النفسِ التوّاقة، التي تاقت بعدما تربع على عرش النجاح إلى الجنة.

وكثير منهم أوردتهم «الأنا» موارد الهلاك، كفرعون الذي قال لقومه (ما أريكُم إلّا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد).

الإبداع سفينةٌ قُبطانها الأنا تمشي على لُججِ البحر بثقةِ ولولا الأنا لتاهت البوصلة، حبّ الأنا جبلة، وعلى الإنسان أن يختار الطريق لذاته وتبدأ المشكلة حينما تكبر الأنا وتتضخم على حساب «نحن» هنا يقع الظلم الذي يقول فيه الشاعر :

والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفّة فلعلة لا يظلم.

أو تنزلق الأنا فتصغر فتحط صاحبها وتسلبه حقه فيقول نعم في موضع الرفض لأن نفسه ابتعلتها أنا أخرى.

الغضب وسيلة لحماية الذات من الانتهاك، ولكنه الغضب المتوازن وغير المندفع، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب فقط إذا انتهكت محارم الله.

الجوع إلى المديح كالجوع إلى الطعام، فالمرء المشبع ذاتيًّا أقدر على العطاء وفاقد الشيء لا يعطيه كما قيل!

الشخص المتعالي هو شخص لديه نقص في الثقة، لذلك هو يريد أن يوهمك أنه أفضل منك، علاوة على شعوره بالخوف، تجد نبرة صوته أعلى وحتى في مصافحته للآخرين فيها قوة لتشعر الآخر بثقته بنفسه، قال هشام حين رأى الحظوة التي تحيط بزين العابدين: من هذا؟ فكان ردّ الفرزدق قاسيًا:

هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلــــــــمُ

وليس قولك من هذا بضائرة العرب تعرف من أنكرت والعجمُ

لا تحاول أن تنتصر على من تحاورهم، لأن ذلك يخفض اعتزاز الذات لديهم، اكسب النقاش واخسر الصفقة!

اشبع ذوات الآخرين تجدهم أكثر استجابة وأقل تعاركًا.

إذا أردت أن تحصل على هدفك من خلال الآخرين فقط عظّم الأنا في نفوسهم.

إذا لم تحبّ نفسك فقطعًا لن تحب الآخرين، فأحب نفسك أولًا، قَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إلي مِنْ كُلِّ شَىْءٍ إِلاَّ مِنْ نَفْسِي.

فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم «لاَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ.

فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ وَاللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إلي مِنْ نَفْسِي.

فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: الآنَ يَا عُمَرُ».

إنّ أكبر جوعٍ في تاريخ الإنسانية هو الجوع إلى الاهتمام، فهل لديك الخبز الذي تسد به مسغبتهم؟

إن أكثر الناس غنى، وأكثرهم شهرة يحتاجون إلى ثناء صادق نابع من الأعماق، ليس ثناءً متصنعًا، فهم قد ملّوا المجاملات والمداهنات، هم يحتاجون من يشعرهم بقيمتهم.

الذي صمم ثاني أطول جسر في العالم يعبره ثلاثمئة ألف سيارة مهندس ياباني، في أثناء قص الشريط ألقى بنفسه في البوسفور، ذهبوا إلى غرفته، فكتب على ورقة: «ذقتُ كل شيء في الحياة فلم أجد لها طعمًا، فأردت أن أذوق طعم الموت! لا أجد تعليقًا أكثر من أن من لم يعرف نفسه كيف سيعرف غايته!».

التنكر لذات الآخرين في الأمور البسيطة تخلق مشاكل كبيرة.

إن من أكبر الحِكَم: هو انتقاد الشخص بمفرده ومدحه أمام الآخرين، لِما في ذلك من حفظ كرامته وتقدير لذاته، إنّ بُرج القيادة وهو يمارس عملية النقد في توجيهاته للطيار، عندما يرتفع أو يقترب من القاعدة، يقوم بذلك من خلال سمّاعة بين البرج والطيار بالإضافة إلى أنّ النقد يمارس لتصحيح الأفكار وليس لتصحيح الطيار نفسه، بالإضافة إلى الثقة المطلقة التي يعتقدها الطيار في برج القيادة، فتأمل!

الغاية من النقد هو تغيير فِكره أو سلوك لا يعجبنا، والحكمة تقول: «لا تحرك القفير كي تجني العسل».

إنّ انتقاد الآخرين يعني إشاعة الشعور السلبي، تستطيع انتقاد الآخرين من خلال تقديم الأفضل ودع للآخرين المقارنة، في قصة الحسن والحسين عندما شاهدا رجلًا لا يُحسِن الوضوء، حينها تقدما وطلبا منه أن يحكم بينهما، بحجة أن كلًّا منهما يدعي صواب رأيه، فلما انتهيا قال: فهمت الآن، كلاكما يحسن الوضوء وأنا الذي عليّ أن أتعلمه.

إن تقييم الموظفين دور حساس في المؤسسات، إن لم يقم على أسس وقوانين يعلمها الأفراد وتكون منصفة فإنها ستدمر روح العمل، لأنها تقول للإنسان ببساطة أنك مهم أو غير مهم وتعزز القانون الإداري: «لكل مجتهد نصيب«.

إنّ سماع آراء الآخرين في العمل والأخذ بها أو مناقشتها تضفي روحًا إيجابية وتقول للموظف بأنك مهم، وأنك صُلب العمل المؤسسي.

لن يكون الآخر له أهمية في حياتك إلّا إن كان فعلًا له هذه الأهمية، مهما حاولت المجاملة، وللنجاح لا بد لك من التفكير بالآخر، ما يحب وما يكره، ما يحفزه وما يثبطه. فأنت لا تستطيع تحفيزهم بمعسول القول إذا لم يكن نابعًا من القلب!

إن الطفل عند ذهابه إلى «الملاهي» يكتمل شعوره بالفرح بجذب نظر والديه اللذيْن يُشعِرانِه بالاهتمام والقيمة.

أحدهم يذكرقائلًا: «كنا نجالس النبي صلى الله عليه وسلم وجميعنا يحسب أنه ينظر إليه وحده»، وهذا من حسن التخاطب من النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه الكرام.

تواضع للناس وتذكر أن من قال في المجلس قصة فإنك تريد أن تقول أفضل منها ومن قال حكمة فأنت تريد أن تقول أفضل منها، فأنت تريده ضئيلًا أمامك، وتذكر أن القاعدة الأفضل أن تشعره بِأنّه ترك أثرًا فيك فاشكره على ذلك!

عن عطاء بن أبي رباح قال: إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأن لم أسمعه قط وقد سمعته قبل أن يولد، وقال الخطيب البغدادي أنّ جمعًا كانوا عند عطاء بن أبي رباح، فتحدث رجل بحديث فاعترض له آخر في حديثه، فقال عطاء: سبحان الله ما هذه الأخلاق؟ ما هذه الأحلام؟ إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم منه، فأريهم من نفسي أني لا أحسن منه شيئًا!

كنت في نقاش مع مجموعة وكان ذلك الشخص من الذين يعتدون بأنفسهم، كان الحديث عن الخلاف، قلت موجهًا الكلام للمجموعة وتحديدًا لذلك الشخص: الغرب أفلح بالعلمنة بين الفكرة والشخص، فإذا أردت النقد فانقد الفكرة ولا تنتقد الشخص، ولم أكمل فكرتي، قاطعني زميلي قائلًا: إن هذه الفكرة ليست مستوردة وإنما هي من صميم الإسلام، وضرب مثالًا الخلاف الذي كان يحدث بين الشيخين أبي بكر وعمر ولم يحدث أن الخلاف كان شخصيًّا، فقلت بعدها ذلك ما أردت أن أقوله إن التعامل في الإسلام على خلاف التعامل في الغرب فإذا كانت الأفكار لا تعجبنا اتخذنا للآخر أعذارًا كثيرة ثم كان حسن الظن بالآخر وأفكاره هو أساس التعامل، ولكني أضفت للانتصار في النقاش: إن الغرب وضع قانون الفصل بين الفكرة والشخص موضوع التنظير الفكري والغرب هو من جاء بعلم الإدارة والقيادة، في حين نتغنى نحن المسلمين بأن كل ذلك في ديننا ولم نضع ذلك موضع التنفيذ.

حوار شيق، العبرة التي استفدتها أن أُشعِرَ الطرف الآخر بأنّه أثّر فيّ دون أن أنتصر عليه، قد أكسب النقاش وأخسر الصفقة لِأُحافظَ على ذات الطرف الآخر وهيبته أمام جمهوره فأحقق حينها الفوز لي وله وللجمهور.

استجابة الآخرين

إنّ استجابة الآخرين وتعامُلهم معنا هو انعكاس لما أردناه، تمامًا كالوقوف أمام المرآة، إذا ابتسَمت ابتسمَت لك، والقانون الفيزيائي يقول «لكل فعل رد فعل مساوٍ له في القوة، ومعاكس له في الاتجاه»، فإذا ابتسمت لشخصٍ أو أشعت الضحكة في مجموعة، تكون قد أشعتَ الابتسام في محيطك، كان رسول لله صلى الله عليه وسلم بسّامًا، وفي مرض موته خرج عليهم وهم صفوفٌ في الصلاة وكان وجههُ كورقةِ مُصحف مبتسمًا ضاحكًا.

فإذا علمت ذلك فاعلم أنك تملك الغضب وأنك تملك التحكم بغضب الآخرين، كل ما عليك أن تقابل الغضبان بابتسامة، ليست ابتسامة السخرية، وإنما ابتسامة تقول للطرف الآخر أنك تتفهم سبب غضبه.

إنّ وضع ثقتك في الناس كفيلٌ بأن يكونوا أهلًا لها.

للوصول إلى الاتفاق مع الآخرين الذين قد يخالفون أفكارك عليك أن تحدد نقاط الاتفاق وتتكلم عنها ولا تبدأ بنقاط الخلاف، وعليك تشكيل انطباع لدى الآخر برغبتك الجامحة بالاتفاق ورغبتك الدائمة باحترام الآخر وعليك بهذه الثلاثية الرائعة:

 1- التقبُّل

تقبّل الآخرين كما هم، وتجاوز عما تكرهه فيهم، عندها يشعرون بالاطمئنان إليك يقومون بشكوى أنفسهم إليك طلبًا منك أن تساعدهم، وقديمًا قال الشعراوي حكمته:

من ابتغى صديقًا بلا عيب عاش وحيدًا

ومن ابتغى زوجة بلا نقص عاش أعزبَ

ومن ابتغى حبيبًا بلا مشاكل عاش باحثًا

من ابتغى قريبًا كاملًا عاش قاطعًا لرحمه

لا يعني تقبلك الآخر أنك تخليت عن مبادئك ولكنك تتفهم مساحة الاختلاف وترغب بتغيير من تحب كما تفعل قطرة الماء بالنحت على الصخر، فمع الزمن يحدث التغيير وإن كانت القناعات صلبة.

2- القبول

هو درجة أعلى من التقبل، عن طريق إيجاد مساحات التوافق وتعزيزها.

3- التقدير

نحن نحبُّ من يرفع قيمتنا لا من يحطّ منها. يرغب الناس بتقديرهم كأفراد وإن كانوا يعملون كفريق، كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يعزز هذه القيمة لدى الصحابة، فيقول عن خالد سيف الله المسلول وعن ابن الخطاب الفاروق وعن أبي بكر الصديق، لتقدير أعظم قيمة للمرء يحبُّ أن ينتسب إليها.

إنّ الإنصات إلى الآخر أبلغ تعبير عن تقدير الآخرين، في محادثة بين رجل وامرأة، تحدث الرجل جلّ الوقت والمرأة تنصت، فقال الرجل لصاحبه: إنها فعلًا ذكية! وهي لم تنبس ببنت شفة، ولكن ما يحدث بالإنصات هو إرضاء لذات المتكلم.

الناس تقبل على من يستمع لهم، يعتبرونه حكيمًا، يستودعونه أسرارهم، ويطلعونه على مشاكلهم.

فلكي يسمعك الآخر فأعره سمعك حتى يفرغ ما بجعبته حينها فقط يكون مقبلًا على حديثك.

في الثناء على الآخر حاول أن تثني على الصفة الإيجابية ولا تثني على الشخص لأن ذلك أحرى بمضاعفة هذه الصفة وأبلغ في صدق الثناء. ولأن مدح الذات على إطلاقها مدح للمرء بما ليس فيه ومؤداه إلى الغرور والعجب.

ما ظننت أن قول سبحان الله معصية لله حتى سمعت أحدهم يقول سبحان الله ليستعظم شخص على الباطل قال طاوس:

فقولك سبحان الله تعظيمًا لفكرة باطلة هي مديح مذموم، وإن كانت سبحان الله التي تملأ الميزان يوم القيامة.

الذات شجرة لا بدّ من إروائها ولكن إذا ما أثمرت فلا بد أن تكون ثمارًا للآخرين، من يعش لذاته يعش حياة واحدة ومن يعش من أجل ذوات الآخرين يعش مرات ومرات، فروحه تقسّم في أرواحهم. ومن يعش لله وفي الله وبالله فقد حاز خيري الدنيا والآخرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد