أيها الضمير المبجل بعد التحية والسلام كيف سمحت لنفسك أن تبيع وتشتري في الأوهام. ‏لكن دعني أولًا وقبل كل شيء أن أسبح في مخيلتك وبين أفكارك. تحت أقلامك وفوق أوراقك، فالقلق مِن المجهول يمتلكني، والخوف مِن المستقبل الغامض يعتريك. لا تكن كَمُرْتَبِكِ الحروف، فأنت دائمًا سيدي وملهمي، وأعلم جيدًا أن فكرك لا ينتهي محيطه، وشطئان تفكيرك لا تهدأ أمواجها، لكنني أطمح إلى أن أكون سباحًا ماهرًا. سأواظب على تعلم السباحة في بحارك، تحاليل شعورك من جديد.

لأقول لك بصريح العبارة أن الكلام الجيد، والفكر الجيد، والعمل الجيد، والكتاب الجيد، والنوم الجيد، يزيد من جمالك الداخلي والخارجي، ويسهر على سلامتك الصحية وراحتك النفسية. ولهذا لا تتردد في مقارعة الوحدة والفشل. فالشجرة التي تقف وحيدة وشامخة في الحقل، أقوى بكثير من الشجرة الموجودة وسط مجموعة كثيفة مِن الأشجار وسط الغابة. نعم؛ لأنه يجب على هذه الوحيدة أن تمتلك جذورًا عميقة، حتى تستطيع التمسّك والتتشبُّت جيدًا بالأرض، لكي تقاوم عوامل التعرية الكثيرة والمتنوعة، بكل جدارة واستحقاق. لاسيما عند هبوب الرياح.

إذًا نقول للذين يريدون الإستسلام الأن لا تستسلموا، فأنتم أقرب إلى النجاة والنجاح مما تتخيلون. يجب فقك أن نتعلم الاعتماد على النفس حتى نعرف كيف نحارب وحدنا ولوحدنا. لا شك أننا سنكتسب الخبرة الضرورية، والقوة الكافية، لزيادة القدرة على التحمل مع مرور الوقت، نعم نحن اليوم وحيدون وهذه حقيقة.

لهذا يجب علينا مضاعفة الاجتهاد، والعمل على محاربة الفشل والاستسلام، فقط مِن أجل التغيير، ومِن أجل حياة ومستقبل أفضل. مِن أجل ما نطمح أن نكون في المستقبل. ولا سبيل لذلك غير طرق أبواب التعلّم، النمو، الحوار، النقاش، الإنصات، الاستماع، المشاركة القيِّمة، المخالطة النافعة، والالتقاء بالناس في نقط مشتركة، لكن مع الدفع بالنفس دائمًا إلى الأمام، كحال النخبة مِن الشجعان والمغامرين، لأن أقوى الذئاب هي تلك التي تمشي وحيدة، وفي بعض الأحيان تظهر وكأنها مرفوضة تقريبًا من الجميع، لكنها على الأرجح ليست ذئاب عادية بزي الخرفان، وإنما أصيلة ومتأصلة.

قد يخطر على بالنا أحيانا سؤال أو على الأرجح تساؤل وهو لماذا يجب علينا أن نخوض الحرب على الضمور والكسل والملل لوحدنا، دون الحاجة إلى مساعدة الأخرين؟ والجواب هو أن هذه المناوشات والحروب ذاتية في أصلها، داخلية في منشئها، غريبة في مراحلها، وخاصة في أطوارها، معقدة في شرحها، وسهلة في تحليلها، لكن لا داعي لتقديم الشروح، لأن هذا لن يغير من طبيعة السَّيْر الوحيد، ولا من شكل الطريق الموحشة الخالية من الضلال والأشجار، لكن لحسن الحظ أنه الطريق الوحيد الذي نعرف إلى أين يوصل. إذ رغم توحشه وفراغه نعتبره بيتًا الوحيد ومأوى الوحيد الأكيد.

نعم أسير وحدي في أرجاء بيتي وأكافح الصعاب والشِّعاب ولا أهتم ولا أتراجع ولا أنظر للخلف، لأن أملي بالنجاح له شخصية، غامضة، قوية، غير قابلة للإنكسار، مرنة بما يكفي، قابلة للتمدد والانتشار. والسبب أنني قد تعودت وتقبلت هذا السَّير وعرفت مسبقًا أن وجهتي في النهار هي ضوء الشمس، وبعد الغروب ما بعد الشمس.

الطريق طويل وروحي أطول منه، ولا مجال للخوف، ولا للتردد، ولا للانحراف؛ لأنني أتيت إلى هذه الحياة وحيدًا وسأعود وحيدًا. فالموت لا يموت ولن يترك أحد على قيد الحياة، مهما طال الزمن أو قصر، لأنه وببساطة شديدة يدخل ضمن فصول قاعدة وجودية مرتبطة بالكون كله.

فلماذا إذًا التخلف والتقاعس والإضمحلال، لاسيَّما وأنه عندما لا يكون هناك أي شيء مؤكد، فإنه مِن المنطقي والمعقول في المقابل أن يكون كل شيء ممكنًا. هذا بالضبط ما علمتني الوحدة، أي عرفتني على معنى الحياة، وحقيقتها، وكيف يمكن تحويل التعب والألم إلى قوة، وكيفيَّة السيطرة الكاملة على الشُّعور والمشاعر.

فعندما نؤمن بالله ونوحده، نعرف قيمة القدرات الذاتية المخلوقة فينا؛ إذ لا تصبح هناك جبال علية مستحيلة الصعود، بل كل الكون عبارة عن أماكن ممكنة التسلق والوصول، رغم اختلاف أسبابها، تضاريسها، وطرقها، لكن الهذف واحد وأنا في التحقيق صامد، والنجاح مؤكد. لا وجود لمشاكل كبيرة بل كلها صغيرة وقابلة للحل، بمعنى آخر: تصبح حدود القوة والقدرة عندنا لا تسطرها إلا الأحلام التي تجرأنا على المُضيِّ قُدُمًا وبخطى ثابتة لبلوغها وتحقيقها على أرض الواقع.

نعم نحن فخورون بأنفسنا بعد الأن، حامدين، شاكرين وفرحين بما أصبحنا عليه. قادرين على العيش والتعايش بكل فخر وامتنان، وصدق وتقدير واحترام لأنفسنا وذواتنا وللأخرين. مُوقنين بأن الرياح العاتية لا تأخذ مِن الصخور الكبيرة الصامدة إلا الغبار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد