ليس عيبا أن تعيش مجريات الأحداث وسط المعمعة ولا تتمكن من نظرة مجردة لحقيقة ما حصل، وليس عيبا أن ترد ما جرى إلى إرادة السماء، وحفظ الآلهة لعبدها المصون. لكن هذه التدوينة بعيدة كل البعد عن ذلك. ففيها قراءة واقعية لجملة من المعطيات، بعين مجردة راقبت محاولة الانقلاب في تركيا عن بعد.

خلال آخر 10 سنوات، شهدت تركيا 5 محاولات انقلابية على الأقل، ولم تصل كلها، لمرحلة نزول الجيش إلى الساحات، خوفا من ردة فعل الشارع. حيث لم تكتمل الخطوات التحضيرية الضرورية وأهمها اغتيال رئيس الوزراء، آنذاك، «رجب طيب أردوغان» أو إيقافه. القوى السياسية التي تبنت بعض العمليات، أو دعمت خطوات تحضيرية أخرى، فضحت في التحقيقات ودفعت ضريبة ذلك في الاستحقاقات الانتخابية التي تلتها، فتلاشى بعضها وانخفضت شعبية البعض الآخر.

تعددت محاولات الاغتيال، ولعل أبرزها ما اشتهر بعملية القفص في ٢٠٠٩، واستهداف عناصر من حزب العمال الكردستاني لموكب «أردوغان» في ٢٠٠٨، إضافة إلى طرق بيضاء استعملتها «الجماعة» في أكثر من مناسبة، كان آخرها فضيحة ديسمبر (كانون الأول) ٢٠١٣.

نجاة «أردوغان» في كل مرة كانت تزيده قوة وتمنحه الضوء الأخضر لتصفية وفضح خصومه. وهو ما يتجلى مليا في حملة الإيقافات الواسعة التي تشهدها تركيا هذه الأيام. فالمحاولة كانت جدية أكثر من أي وقت مضى، وفاضت الكأس بما حدث من إراقة دماء بريئة. ودحر الانقلاب في مهده، قبل أن يمر لمراحل أكثر جدية. وقدر الحيز الزمني الذي فصل نجاح الاغتيال من عدمه بحوالي ٤٠ دقيقة.

الأعداد الهائلة للمعتقلين لا تعكس بالضرورة الإعداد المحكم للانقلاب، فمن الواضح أن «أردوغان» قرر القضاء على الكيان الموازي، قبل أن يقضي عليه، والقوائم جاهزة منذ سنوات كما أشار لذلك البعض.

الوثائق أكدت أن خطة الانقلابيين تغيرت وسارت في غير ما كان مقدرا لها، بسبب تعنت رئيس هيئة أركان القوات المسلحة التركية «خلوصي أكار» والذي رفض توقيع البيان الانقلابي وتواصل مع قائد الجيش الأول «أومود دندار» لإعلامه بما يحصل. «دندار» تواصل على الفور مع الرئيس التركي ونبهه بالخروج من فندقه بمرمريس والتوجه لمطار إسطنبول حيث وعده بتوفير الحماية اللازمة. قبل أن يستنجد «أردوغان» بأسلوب فريد بالشعب التركي وشرفاء الأمن والجيش ليضعوا حدا للمهزلة متوعدا في الوقت ذاته الفاعلين بأشد العقاب.

وهنا لسائل أن يسأل، لماذا لم يتواصل «أكار» مع «أردوغان» بشكل مباشر؟ لأنه كان رهن الإيقاف يقولون. ولكن هل كان اتصاله بقائد الجيش الأول «دندار» بغرض إعلامه أو استقطابه لصف الانقلاب كما يقول البعض؟ أسئلة ستتضح حقيقتها مع الوقت خاصة وأن «أكار» اكتفى بظهور تشريفي في اليومين الأخيرين ولم يصدر منه أي تصريح، فيما يبدو كأنه إجراء احترازي.

التقييم السليم لأي فشل، ينطلق من تحديد الخلل وتدارك الهفوات، وتراجع العديد من قيادات الانقلاب بدعمهم للشرعية إثر أول ظهور لـ«أردوغان»، يعبر عن ثقة مهزوزة بالنفس، سببها الأساس عدم التحضير الجيد لمختلف السيناريوهات، فالارتباك بدا واضحًا على الانقلاب بعد انطلاقه قبل ساعة الصفر. أشرت حينها في تغريدة أن مؤشرات فشل الانقلاب أكثر من بوادر نجاحه.

لا وزير دفاع، لا رئيس أركان، لا قائد الجيش الأول، لا وكالة الأنباء الرسمية، لا بيان مصور، لا احتجاز لرئيس الوزراء، لا دعم من المعارضة، رئيس دولة طليق ويصرح مرة واثنين وثلاثة، انقسام عسكري.. حتى حين.

كما أن البيان رقم 1 الصادر عن الجيش نشر بطريقة هاوية عن طريق بريد إلكتروني، بعد اختراق موقع هيئة الأركان ومن ثم تعطله، ولم يحمل توقيع رئيس الهيئة الذي رفض كما ذكرنا. كما عكس تسابق الجنود في الوصول لمقرات الإذاعة والتلفزيون، كما في تسريب محادثات الواتس آب، إدراك هؤلاء أن معركة الإعلام الرسمي كانت لتحسم الوضع حينها. وقد وصلوا فعلا، ولكن سرعان ما لحق بهم رجال «هاكان فيدان»، كلمة السر في إفشال جل الانقلابات ورأس جهاز المخابرات التركية.

قد يعتقد البعض أننا نغفل هنا الحديث عن الشعب وقوى المعارضة ودورها في إجهاض الانقلاب، قطعا لا. ولكن العامل الأساسي، كان هو إحباط محاولة الاغتيال ومجهودات الأجهزة الأمنية، التي كانت في سباق مع الزمن للمحافظة على أجهزة الدولة. وقد دفع العشرات منهم حياتهم ثمنا لذلك. لعل أحد أبرز هؤلاء هو «عمر خالص دمير»، سكرتير قائد قوات المهام الخاصة، وقصة استشهاده بمبنى القوات الخاصة بأنقرة.

بالعودة إلى دور الساسة، فقد كان لبياناتهم الأثر الكبير في توحيد الحشود الغاضبة التي خرجت أساسا رفضا للانقلاب، ودونت حينها رئيس البرلمان وقوى المعارضة في تصريح مباشر يؤكدون تمسكهم بالديمقراطية.

نعم الديمقراطية السبب الرئيس لما نراه من هبة شعبية. لا لشخص أو حزب أو فئة، وإنما قيم مشتركة تشبع بها الشعب التركي خلال عقدين، وآمن بأنها السبيل الأنسب للتغيير والتداول على السلطة. مخاض عسير خاصة بعد أنباء عن إطلاق نار على بعض المتظاهرين بإسطنبول.

وعي الشعب التركي وإيمانه بأسس الديمقراطية ليس بجديد، فقد ترسخت هذه المبادئ في محطات سابقة. ومحاولة الانقلاب على إرادة ناخبين يعرفون جيدا مزايا النظام الديمقراطي من ازدهار اقتصادي ينعكس أساسا على حياتهم الاجتماعية، محض غباء. حتى أولئك الذين يشعرون بالغضب على الحكومة وسياساتها لا يمكنهم التفريط في مزايا النظام، والعودة إلى ظلمة حكم العسكر.

في الجزء الثاني، سأتحدث عن ماذا كانت تعرفه أمريكا عن الانقلاب؟ من المستفيد الأول مما حصل؟ ما هي الانعكاسات الداخلية والخارجية لذلك في الأمد القريب؟ أين تنظيم الدولة الإسلامية، «داعش»، من كل هذا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد