يستخدم الرجل في المجتمعات العربية مصطلحًا دارجًا لتعريف الزوجة، فيطلق عليها (الست بتاعتي)، وهو ليس أبدًا مصطلحًا مجازيًا يستخدم بحسن نية، لكنه مقابل دقيق باللغة العامية لنظيره  في مجتمعات الجاهلية الذي كانت توصف به الإماء التي كانت تباع في أسواق الجواري، فيطلقون عليها ملك اليمين.

وملك اليمين هي جارية مملوكة في عداد العبيد، قد تم سلب حقها وحريتها لتدين بالولاء الكامل لسيدها، وهي رهن إشارته تفعل ما تؤمر، وليس لها حقوق؛ فهي مجرد متاع، وللسيد الأمر والنهي والكلمة العليا، وهي مستسلمة تمامًا لهذه الثقافة، ولا تأمل في شيء إلا إرضاءه.

وقد تدنت عقود الزواج أكثر تبجحًا في المجتمعات الإسلامية كما يصدرها السواد الأعظم من أئمة الفقه الإسلامي إلى تلك الثقافة، إذ دعت لتعظيم مكانة الزوج إلى حد يتنافس فيه مع مكانة الذات الإلهية، ويستدل على ذلك بحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: لو كنت آمرًا أحدًا بالسجود لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. وبصرف النظر عن مدى صحة الحديث، وبصرف النظر عن وجود أحاديث توصي الرجل بأهل بيته لا يروج لها لما تحمله من التزام على الرجل، لكن يبدو أن المجتمع الإسلامي، لا يزال يتمسك بأفكار الجاهلية، ويعمل على إلباسها رداء الدين حتى يتمكن من ممارستها تحت مسمى الشريعة.

إن الخالق الذي وهب منتهي النعم لا يأمر المخلوق الا بما يقيم حياته علي نحو كريم، لكننا هنا أمام حالة فريدة من التنطع من قبل مخلوق لم يهب شيئًا، بل على العكس يتطلع إلى أن يوهب علي الدوام ومدي الحياة مقابل كفالة المرأة ماديًا وإطعامها كملك يمين تحت اسم مستعار يسمونه الزوجة. وليتحقق ذلك فلابد أن تحرم من أي مصدر للدخل لكي تخضع لوصايته الدائمة، فلزمت المنزل قرونًا من الزمن، ومنعت من العمل بدوافع دينية، كما أباح المشرع للزوج حق أن يمنعها عن الأهل والأصدقاء إن إرتأى ذلك.. وله أن تخدمه وترعاه وتسهر على راحته.. وله بعد ذلك إن مرضت أن يتزوج بغيرها ليمارس عليها نفس القهر.. وله خدمته إذا مرض.. ثم له أن يطلقها دون مراعاة رغبتها وقتما يشاء وكيفما يشاء وقد ينكر تطليقها إن كان شفهيًا إذا طالبته بحقوقها كمطلقة، كما يقرها الشرع أو لممارسة حقها الشرعى في الزواج بآخر، وبعد صراع طويل مع كل هذا القهر أجاز المشرع لها أخيرًا حقًا في خلع مشروط بالتنازل عن جميع حقوقها كزوجة للخلاص من هذه العلاقة المهينة لتعود مشردة في أسواق الجوارى تنتظر سيدًا جديدًا يكفلها بعدما أصبحت كائنًا يفتقر  لمهارات كسب الرزق في إصرار غريب على إهانتها وحرمانها من أية وسيلة تكفل لها أية حرية.

كل ذلك يحدث تحت شعار (الإسلام كرم المرأة)، ولا أعرف الفرق بين ما يلفقونه للإسلام وبين ثقافة أكثر المجتمعات تخلفًا في أشد عصورها إظلامًا.

فهل حقًا تستقى هذه المجتمعات ثقافتها من الإسلام؟ وهل الإسلام يأمر بكل هذا القهر؟ إن الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم قد دعا إلى أفكار شديدة التحرر في مجتمعات شديدة الجهل والتخلف، وأتعجب كيف استطاعت دعوته أن تشق  طريقها إلى النور وسط هذا الظلام الحالك الذي كانت تسبح فيه تلك المجتمعات، فكانت دعوته إلى تحرير العبيد رجالًا ونساءً.. وكفلت للمرأة زمتها المالية المستقلة، وأصبحت تورث على عكس المتعارف عليه في تلك المجتمعات، كما كفلت دعوته حق  اختيار المرأة لزوجها أو تطليق نفسها.. ما يعتبره أي منصف ثورة هائلة لا تنبغي إلا لنبى مرسل ضد أوضاع غاية في الهمجية.. لكن يبدو أن تمسك المجتمعات العربية بثقافتها القبلية جعلتها تلوي الحقائق وتتمسك بمفهوم ملك اليمين، وكان ذلك من نصيب مقام الزوجة في التشريع الجديد.. فأصبحت الزوجة هي ملك اليمين وملك اليمين هي الزوجة؛ مما أدي إلى ارتفاع توقعات الزوج من سلوكيات زوجته تجاهه إذ يجب عليها أن تفعل ما تؤمر كملكية خاصة له، وبالمقابل لم تع هي ما يكنه لها الرجل من احتقار؛ فارتفع بينهم الخلاف، واختفت المودة والرحمة، وانتشرت حالات الطلاق، عندما بدأت اقتحام سوق العمل.

ولم تسيطر ثقافة قهر الزوجات على عقل وفكر الرجال فقط لكن يبدو أن بعض النساء قد اعتدن على هذه السلوكيات؛ فتشوهت فطرتهن السليمة، وأصبحت وسيلتهم لتقييم المرأة الصالحة، ومن تشذ عن هذه القاعدة فعليها اللعنات، وكانت في عداد المتمردات السيئات اللائي يجب نصحهن وردهن لحظيرة الخنوع والخضوع، فساهمن في تردي أوضاعهن وخسرن كل حق قد كفله لهن الإسلام ابتغاء مرضاة الأزواج.

ولا أريد أن يظن أحد أن الحياة استقامت مع هؤلاء الزوجات، لكن أغلقت الأبواب علي علاقات بائسة  كان الدافع المادي هو السبب الرئيس لاستمرارها.

والعبد لا يمكن أن ينل حرية طالما استمرأ سوط الجلاد، وكذلك لن ترقى جماعات قد استقر في وجدانها أسبابًا لأهمية القهر وفوائده.. ولكى تنعم المرأة بحريتها وكامل حقوقها كفرد واع عاقل له حق المشاركة في بناء المجتمع يتحتم عليها أولًا أن تؤمن بأنها زوجة، وليست ملك يمين، وأن لها الحق في ان تختار ما يناسبها  دون قهر أو تهديد.

إن الله قد خلقها موهوبة وذكية وقادرة على العطاء والأمثلة لا تعد ولا تحصى.. ولا أعرف كيف جرؤ فقهاء الأمة اختزال سبب وجودها لرعاية الرجل، ولا أعرف كيف خضعت هي قرون طويلة من الزمن لهذا التخلف والجهل، ولا كيف سيقت أمة بأكملها يسمونها إسلامية، وأجبرت على المشي على قدم واحدة وعكاز، بدلًا عن الركض علي قدمين، ولَم يروا هؤلاء الفقهاء في حرية المرأة الغربية سوى ملبسها، لكن لم يعنهم نجاحها ومساهماتها في بناء المجتمع الذى تعيش فيه، وبنفس السطحية لم يعنهم شيء في أمور المرأة المسلمة غير تفاصيل هامشية والبحث عن كل وسيلة لحجبها عن الحياة.

وختامًا لكلمتي أقول إنه ليس هدفي أن تؤخذ دعوتي هذه وازعًا لتمرد النساء على أزواجهن، ولكنها دعوة إلى الطرفين لتجديد مفهوم قدسية العلاقة الزوجية ليكون قوامها المودة والرحمة والحب والتفاهم والاحترام المتبادل، لا شيء آخر.. فيكفينا ما جلبته أفكار القهر باسم الدين على المجتمع من تدمير للأسر وتشريد للأطفال، فكان الثمن أننا تصدرنا قوائم  أعلى معدلات لحالات الطلاق.. فهلا أدرك الرجل الشرقي أن الزوجة ليست (الست بتاعته)؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد