مما لا شك فيه أنه توجد ظاهرة بدأت تتزايد فى مجتمعاتنا، وهي شكوي  كثير من الآباء والأمهات بتقصير أبنائهم معهم، أو انحرافهم،  وما شابه ذلك. وبالبحث للوصول إلى حلول لعلاج هذه الظاهرة، ومعرفة أسبابها. لمست أن كثيرًا منا يخلط بين الرعاية والتربية، بل إن كثيرًا من الآباء والأمهات لا يمارسون مع أبنائهم التربية الحقيقية، بل يمارسون الرعاية فقط، (وهم يظنون ذلك تربية كاملة)، فما الفارق بينهما؟

ما هي الرعاية؟ الرعاية: هي أن أرعاه، وأهتم بشئونه، وأهتم باحتياجاته.

مثال على ذلك: فالأم الجديدة، والتي عندها طفل، أو طفلة في السنة الأولى ابتدائي مثلًا، عندما يعود طفلها من المدرسة تلقاه بالأحضان، والآن تبدأ فى إعطائه عدة تعليمات: هيا اذهب غير ملابسك! هيا اذهب اغتسل! تعال لتأكل! هيا اذهب نام!

بعد ما يصحو من النوم: هيا تعال لتشرب الحليب! هيا حل واجباتك! من الممكن أن تشاهد على الرسوم المتحركة! هيا اذهب نام!

أين التربية؟ هذه كلها رعاية، الرعاية الاهتمام بصحته، الاهتمام بملابسه، الاهتمام بواجباته الدراسية! وهذه المهمات من الممكن أن تفوض فيها أحدًا غيرها مثل الشغالة أو المدرسة…إلخ.

وبالطبع الرعاية شيء ضروري، لا يمكن إغفاله ولا التقليل من أهميته، والذي أقصده هنا الاقتصار فقط على رعاية البدن، وربما التعليم المطلوب للتوظيف فقط. أما التربية فهي أعم وأشمل، فنتعرف عليها من خلال هذا الموقف:

تقابلت مع أحد الآباء، وكان على خلاف مع ابنه المراهق، وهو حزين جدًا، ويفضفض لي، ويقول: انظر بعد ما ربيته وتعبت عليه، انظر النتيجة!

قلت له ماذا عملت معه؟

قال وهو يتحسر: كنت اقطع اللقمة عن فمي لأطعمهم. وأشتغل ليلًا ونهارًا كي أوفر لهم سكنًا مريحًا، وسيارة وملابس وأدوات…إلخ. من طلباتهم التى لا تنتهي.

قلت له: اسمح لي أن أسألك عن خمسة أشياء؛ لكي  تعرف هل أنت قمت بالتربية الصحيحة أم لا؟

أولًا: القيم والمبادئ (العقيدة). ماهي القيم والمبادئ، (مثل الخوف من الله، احترام الكبير، الصدق، الأمانة…)، التي كنت تغرسها «متعمدا ومخططًا لها» فيه منذ صغره، بالقصة ، والإشارة، والتوجبه، وبالقصص…إلخ؟

ثانيًا: الاهتمامات، ما هي الاهتمامات التي كنت توجهها له، وهو صغير؟ ففى سن الطفولة نحن نستطيع بأن نجعله يهتم بالقراءة، يهتم بالدين، يهتم بنهضة أمته، «السلطان محمد الفاتح، وكيف وجهته أمه؟، أم تركته لاهتماماته الضيقة، مثل (نوع الجوال، الفريق الحاصل على الكأس…إلخ».

ثالثًا: المهارات، ما هي المهارات التي اكتشفتها عند ابنك او ابنتك، وقمت بتنميتها وتشجيعها؟

لا تظن أبدًا أن المهارات لها سن معين، لا يمكن تدريبهم عليها، إلا إذا بلغوه، بل إنهم تجب تنمية مهاراتهم منذ نعومة أظفارهم، بدليل أننا نرى أطفالًا. لا يتجاوز عمرهم 3 سنوات ويمسكون الموبايل أفضل من الذي عمره العشرات والعشرينات. ومن أمثلة هذه  المهارات «مهارات تقنية، مهارات قيادية، مهارات الإلقاء… إلخ. لكن النجاح في الاكتشاف الصحيح للمهارة التى تتناسب مع الطفل، ثم تنميتها.

رابــعًا: التواصل الجيد وبناء العلاقات. هل ربتيه على فن التعامل مع الغير؟ هل علمته كيف يكون التعامل الصحيح  مع الأب والأم  أو من هو أكبر منه سنًا؟ هل علمته إذا أخطأ والدك أو والدتك فى كلام كيف تتصرف؟ بالإضافه إلى العلاقات، كيف يختار أصحابه؟ كيف إذا حصل خلاف مع صديق له، كيف يعيد العلاقة؟

خامسًـا، القدوات. من هم القدوات الذين غرست حبهم فى قلبه منذ صغره؟ كثير من شباب اليوم قدواتهم: لاعبون أجانب، مثل «ميسي أو رونالدو» أو ممثل مشهور! بينما نحن لم نركز فى ترسيخ قدوات عظيمة فى نفوس أطفالنا، وترغيبهم فيها بقصص مؤثرة وأمثلة متوافقة مع أعمارهم، وبأسلوب يتناسب مع عصرهم، والقصص من أقوى الوسائل على الإطلاق في التربية، لذلك القرآن مليء بالقصص.

والشي الوحيد الذي لاتستطيع أن تفعله القصص هي تنمية المهارات، فهذه بحاجه إلى تدريب.

ولنبدأ بأهم شيء، وهو زرع حب الله وحب رسوله فى قلوبهم منذ الصغر، وما أعظم المنهج الرباني فى تربية الأبناء والمستمد من سورة لقمان! وإن شاء الله يكون لنا معه لقاء في مقال قادم بإذن الله. وبالتالي نكون قد قمنا بواجبنا الحقيقي تجاههم من التربية والبر، حتى ننال برهم ونفرح بصلاحهم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الوالدان
عرض التعليقات
تحميل المزيد