انتشر في الإعلام المصري خلال الأيام الماضية مرض جديد يسمى “إنجازات السيسي خلال عام”، الغريب في الأمر أن كل هذه الإنجازات في الجانب الاقتصادي فقط، والأغرب أنني كمتخصص في الاقتصاد عندما أقرأ قائمة هذه الإنجازات تصيبني القشعريرة، من قوة الكلمات وعظم الإنجازات، وقبل أن أنتهي من القراءة تسود شاشة الحاسوب، بسبب انقطاع الكهرباء، فلا استطيع استكمال باقي الإنجازات.

لكن عزيزي مروج الإنجازات هل تعلم أن الإنجازات تبنى على أرض الواقع، ولا تكتب في على أوراق الخيال، ألا تعلم أن الإنجازات يجب أن تكون ملموسة، ولا يكفي أن تكتب بمانشتات الصحف وتناقش داخل أستوديوهات الإعلام فقط، دون أن نجد لها أثرًا في الواقع!!

دعني أدعوك إلى حديث جاد حول الإنجازات، ولنبدأ بما تضعه دائمًا في السطور الأولى وهو مشروع قناة السويس الجديدة، بالفعل إنه مشروع رائع، وفي الحقيقة هو مستقبل مصر، لكن وبحكم أن عملي بالاقتصاد يدفعني للتعامل بمادية بعض الشيء، لذلك أسألك ما الذي جنيته من هذا المشروع حتى الآن؟!

سأجيب أنا.. في الحقيقة حتى الآن أنت تخسر من مشروع قناة السويس الجديدة، ولنرجع إلى الوراء قليلًا ونتذكر طريقة تمويل المشروع التي كانت عن طريق شهادات الاستثمار، هل تعلم أنك من تدفع فوائد شهادات الاستثمار من أموالك وأنت لا تملك شهادة واحدة فقط، فقد قررت الحكومة المصرية دفع فوائد شهادات الاستثمار التي توزع كل 3 أشهر من دخل قناة السويس “القديمة”، الذي يذهب لخزينة الدولة، وهو مالك الخاص.

لكن عمومًا حتى الآن لا يوجد مشروع، طالما لم يدخل خزينة الدولة منه أو يستفيد المواطن منه جنيهًا واحدًا. وفيما يخص الشبكة القومية للطرق، التي نالت المرتبة الثانية، وللحق أقول يتم الإنجاز في هذا المشروع، ولكن متى توقفت مشروعات الطرق؟! هل توقفت أثناء  حكم مبارك، أو المجلس العسكري، أو حتى أيام الرئيس مرسي؟! الإجابة، لا، لم تتوقف هذه المشاريع.

ولكن هل تعلم عزيزي المروّج أن في كل ساعة يموت في مصر شخص في حوادث الطرق؟! هل تعلم أن التقديرات تشير إلى أن التمويل المطلوب لصيانة الطرق في مصر يبلغ نحو 700 مليون دولار سنويًّا، ولكن المتاح لا يزيد عن 70 مليون دولار “بحسب البنك الدولي”؟!

هل تعلم أن كل كيلومتر من شبكة الطرق في مصر لن يحظى بالصيانة إلا كل 33 عامًا؟! ألا تعلم أن مصر تخسر من جراء أزمة سلامة الطرق 7 مليارات دولار أو ما يعادل 3.2% من إجمالي ناتجها المحلي سنويًّا؟

لكن عزيزي المروّج دعك من كل هذا فهو ليس بجديد، ولم يحدث هذا العام فقط، لكن أيضًا لا نستطيع أن نقول إن الخطوة الصغيرة جدًّا في الطريق الصحيح، بمثابة إنهاء للكارثة التي تعيشها الطرق في مصر، فهل ترى أنه إنجاز، أم أنه السطر الأول في كتاب إنجاز المشروع؟!

لنذهب إلى إنجاز جديد يزين دائمًا “بنرات” مروّجي الإنجازات، وهو النمو الاقتصادي الذي يقال إنه وصل إلى 5.6%، وأنا أقول لقد قيل كذبًا، فهذا حديث المؤسسات التي جاءت لتجامل النظام، في 15 مارس الماضي، لكن في الواقع الاقتصاد المصري لم يحدث فيه نمو حقيقي، والنمو الذي حدث عبارة عن حفر قناة على الناشف مثلًا لمسافة معينة، ولا زالت بدون ماء، فالحفر هنا هو النمو والماء هي التنمية، ففعلًا حدث النمو بدون التنمية، وهنا يسمى نموًا كاذبًا.

الخلاصة في النمو ثلاثة أسئلة ودائمًا الإجابة تكون لديك أنت عزيزي، الأول: هل انخفضت البطالة؟! الثاني: هل زادت الأجور؟! الثالث: هل انخفضت الأسعار؟! إن كانت الإجابة إيجابية فقد حدث النمو، وإن كانت سلبية فلا تحدثني عن النمو.

فيما يخص الموازنة العامة أو الموازنة الأكثر تقشفية في تاريخ مصر، فعن أي إنجاز سنتحدث في الموازنة، هل نتحدث عن رفع الدعم؟! أم نتحدث عن سيل الاقتراض في هذا العام لسد العجز؟! بل دعنا نتحدث عن خفض بند الأجور بقيمة 41 مليارًا.. أم أنك، ربما تفضل أن نتحدث عن تسبب هذه الموازنة في اشتعال الأسعار، وطحن الغلبان، ودعم الأغنياء، ودهس الفقراء؟! لا أظن أنك تريد مناقشة الموازنة، عزيزي المروّج.

لكن ربما نتحدث عن البطالة مثلًا حيث تقول إن “السيسي” وفر نحو 260 ألف فرصة عمل ولا أعرف كيف جئت بهذا الرقم، ولكن هل تعلم عدد الشباب المصري الذي عاد من ليبيا في عام السيسي لينضم لصفوف البطالة؟!

الركود دائمًا ما يكون أرض خصبة لانتشار البطالة، ولا شك أن الركود الذي حدث بالأسواق المصرية خلال عام “السيسي” الأول، كان الأعنف في السنوات الأخيرة، ومن غير المنطقي هبوط البطالة، وعلى العموم  دائمًا لا تعبر الإحصائيات الرسمية عن الواقع الذي نعاني منه.

وأذكر أن الدكتور أحمد حسن البرعي وزير القوى العاملة والهجرة السابق، قال بالطبع بعد أن أصبح وزيرًا سابقًا، إن نسبة البطالة في مصر بين الشباب دون التعليم الجامعي تتراوح بين 9% إلى 10%، بينما ترتفع بين خريجي الجامعات إلى ما يقرب 45%، وتقريبًا هذه النسبة التي ذكرها ضعفي النسب الرسمية، شخصيًّا، لا أؤمن كثيرًا بالإحصائيات، ودائمًا أحكم بالواقع الذي أعيشه بالفعل، وللأسف الواقع يقول غير ذلك.

لكني استغرب عزيزي المروّج لماذا لم تدرج مشروعات الإسكان صاحبة الزخم الإعلامي بالعام الأول للرجل على قائمة الإنجازات وأقصد هنا “العاصمة الجديدة” و”المليون وحدة سكنية” هل تعترف بأنهما من “الفناكيش” كما أطلق عليهما كثير من الخبراء والمحللين؟!

عمومًا مع التشابه بين المشروعين، حيث إن الشركات الإماراتية أحد أهم الروابط المشتركة بين المشروعين، وكذلك “السيسي” ثاني أبرز الروابط في المشروعين، بالإضافة إلى تضارب التصريحات الخاصة بالمشروعين، كل هذه الروابط حكمت بفشل المشروعين قبل بدايتهما.

لا شك أن الزج بالاحتياطي في جملة الإنجازات، المروَّج لها، الأغرب بين هذه الإنجازات، وحتى يتضح الأمر فقد استلم السيسي، الاحتياطي النقدي وقيمته 17.3 مليار دولار صافية بدون ودائع خليجية، لكنه بعد عام وصل الاحتياطي إلى 19.5 مليار دولار، والظاهر أن الاحتياطي قد ارتفع بقيمة 2.2 مليار دولار، ولكن في الواقع انخفض كثيرًا لأن “السيسي” حصل على ودائع خليجية بقيمة 6 مليارات جنيه، ومن المفترض أن يصل الاحتياطي إلى 23.3 مليار دولار وليس 19.5 مليار دولار، أي أنه انخفض بنحو 3.8 مليارات دولار.

ربما تكون هذه أبرز الإنجازات المروّجة، لكن دعني أسرد لك عزيزي المروِّج جزءًا مما لم تذكره وحدث خلال هذا العام،  فقد خسرت العملة المصرية في هذا العام 7% من قيمتها، في هذا العام اقتربت جملة “صنع في مصر” من الانقراض فالغزل والنسيج يواجه الموت البطيء، والحديد يضرب بمطرقة الاحتكار، والأسمدة بين قطع الكهرباء وإغلاق المصانع، والصادرات تواصل الهبوط القياسي في هذا العام، وحدث ولا حرج عن الأسعار التي صعدت صعودًا تاريخيًّا، في وقت سجلت الأسعار في العالم أقل مستوى منذ 6 سنوات.

ولن أنسى فشل المؤتمر الاقتصادي الأضخم في تاريخ مصر “المؤتمر الاقتصادي”، وكذلك الانهيارات المتكررة للبورصة المصرية في هذا العام، في هذا العام سجل ميزان المعاملات الجارية عجزًا غير مسبوق، فقد ارتفع بنحو 8 أضعاف عن العام السابق مسجلًا نحو 8.4 مليار دولار في 9 شهور، بعد أن كان في نفس الفترة من العام الماضي نحو 543 مليون دولار، بالإضافة إلى ارتفاع الدين الداخلي في هذا العام بقيمة 108.1 مليار جنيه.

لم أستطع أن أحصر كل الإنجازات ولا كل الإخفاقات، ولكن أنصحك عزيزي المروِّج أن تفكر قليلًا قبل أن تروِّج، وتتريَّث قليلًا وتسأل نفسك.. هل هذا فعلًا ما تستحقه مصر؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد