أيها الزائر، كم اشتقنا وانتظرنا! كم عددنا الأيام حتى نراك! كم نبضت قلوبنا شوقا، وتغنت لك عشقا، فبالله عليك، رفقا! رفقا بنا لا تعجل في الرحيل، قبل أن تأتي نسألك الأناة، امكث بيننا حتى نشبع، لا ترحل حتى نرتوي، بالله عليك، رفقا!

كريم أنت وليس البخل سيماك فتمهل، دعنا نعيش كل ثانية معك في تأن فلا تعجل، فكم تتعلق الأرواح بك والنفوس تأمل! ووعدنا لك أن تطيع الجوارح فيك وتعمل، لعل هاديك إلينا للأعمال يقبل! فبالله عليك، رفقا!

رمضان! اسمك وحده يملأ القلب عشقا وحبا، ذكرك يبعث في الوجدان في صالح الأعمال رغبا، وخشية فوت نفحاتك يشعل الأركان رهبا، فبالله عليك، رفقا!

قد عزمنا الجد في نهارك صياما، وأخذنا على النفس عهدا في ليلك قياما، وشحذنا الهمة أن نحياك ذاكرين وإن كان من حولنا نياما، ورغبنا أن نكون للمؤمنين إماما، فبالله عليك، رفقا!

أكاد أسمع صوتك في الوجدان ينادي أن هلموا، أكاد أرى حروف كلماتك تبعثها رسولا قبل قدومك أن أعلوا هممكم وزكوا نفوسكم وطهروا أبدانكم بعد قلوبكم حتى تستأهلوني بينكم زائرا، وكل ما سألت عظيم علينا، فبالله عليك، رفقا! أهذه رسالتك التي أراها أمامي؟

أيها العاقل، جئتك زائرا لا مقيما، فترقب! وأوشكت على الوصول إلى بابك، فتأهب! واسأل عني خبيرا للصفقات جرب! فاعقد العزم وأتبعه فعلا، تحظ بالجنات وتكسب! أعد زادك من الآن ولا تكسل، أنا موسم أغيب عاما كاملا، فكن على استعداد أن تكسب مني ما يكفيك حتى أعود، أو ربما عدت ولم أجدك، فخذ زادا لا تحتاج بعده غيره، لعلك لا تلقاني بعد ذلك أبدا!

ابدأ من الآن، هيئ نفسك وأهلك، خطط معهم كيف ستحياني لحظة بلحظة، صلاة وصياما، وذكرا وقياما، ودعاء واستغفارا، وصدقة ودعوة إلى الخير، وبرا ورحما، وتلاوة وحفظا، لا تدع من الخير بابا إلا ولجته! تترك سنة قبلية أو بعدية في صلاتك الآن؟ تهمل جماعة المسجد أحيانا الآن؟! لن تربح معي إن داومت على ذلك. حارب شيطانك ولا تترك له مجالا، لتكن قبل تكبيرة الإحرام منتظرا، لتكن في صلاة ما انتظرت الصلاة، لتكن حمامة المسجد لا تبرح فيه مكانك!

لا تدع سنة قبلية أو بعدية، مؤكدة كانت أم غير مؤكدة، لا تفوت على نفسك شرفا عظيما عند ربك في التراويح والوتر، لا تفوت على نفسك مكوثا بعد الفجر حتى ما بعد الشروق، ولتختم بركعتين لهما عند ربك شأن عظيم، لا تفوتنك صلاة الضحى يوما، لا تفوت نية الاعتكاف ما دمت في المسجد، لتضاعف حسناتك في المسجد ذكرا وتلاوة وابتهالا، لا تحرم نفسك حتى من شرف خدمة بيت ربك نظافة وتنظيما وترتيبا.

ليكن بينك وبين كتاب ربك أخوة وصحبة، مصحف في جيبك كنز في قلبك، اجعل لنفسك ورد تلاوة وآخر للحفظ وثالث للمراجعة واختم الرباعية بالتدبر والتفكر، أنا شهر القرآن، فليكن لي معك وقفات وقفات معه، لماذا لا تختم القرآن كل ثلاث، أو كل خمس إن ضعفت همتك، لكن احذر أن تضطر إلى ختمه في ست، فتلك همة لا تليق بك! ليكن ورد التدبر “آية” على الأقل كل يوم، عش معها وبها يومك، ليكن لك معي شعار وهتاف، تحيا به، وليرافقك نومك ويقظتك مثل ظلك، أو قل: هو اسمك، ليكن شعارك “وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ”.

هل تعجز أن تكون من الذاكرين ليلا ونهارا؟ كم عظيم قدرك إن كنت ذاكرا! وكم سهل على اللسان والقلب ذلك وما أيسره! ما يمنعك أن تحصد نخيلا في الجنة لا يحصى ولا يعد؟! كم أعد ربك لك من خير معي! استأهل ذلك إذن. ما يشغلك عن تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير؟! ما يشغلك عن صلاة على نبيك هي في ميزانك لا يعدلها شيء؟! ما يشغلك عن ذكر ربك آناء الليل وأطراف النهار، صبح مساء، قائما وقاعدا وعلى جنبيك، لتجد نفسك حتى في نومك ذاكرا! لتكن همتك ذكرا بقلبك ووجدانك قبل صوتك ولسانك، أن موسم الذاكرين فانتبه!

للفقراء معك موعد فلا تخذلهم، اتق الله فيهم ولو بشق تمرة، لا تعجز عن صدقة يومية مهما قلت قيمتها، هي والله عند ربك عظيمة الشأن، طهر نفسك وزك روحك بها، لعل إحداها تكون حاجزا لك عن عذاب مقيم!

شغلتك الدنيا بما فيها عن رحم قطعته، وصديق أهملته، وجار نسيته! هذه فرصتك تكفر فيها عن غفلتك وزلتك، لا تجعل خجلك من ذنبك عائقا أمام رجوعك عنه، تحمل ردهم، وتقبل نقدهم، واحتسب عند ربك هذا وذاك، واعلم أن مثل هذا الذنب كفيل أن يحجب باقي عملك عن القبول، فاحذر يا لبيب ولا تضيع نفسك!

لا تدع بابا للخير إلى طرقته، ولا واديا للحق إلا سلكته، ولا سبيلا لغيرهما إلى خالفته، بكل عمل صالح أقبل، وعن كل سوء وذنب أقصر، وتب إلى ربك كل حين واستغفر، واعلم أن لك ربا وسعت رحمته كل شيء فلا تقنط!

هذه رسالتك يا رمضان قرأتها، بالقلب والوجدان قبل العقل وعيتها، أدعو الله ربي أن يجعلنا جميعا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فاللهم بلغنا رمضان وبارك لنا فيه، وتقبله منا خالصا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تشريع, دين, رمضان
عرض التعليقات
تحميل المزيد