هزت فرنسا منذ أيام قليلة موجة أعمال إرهابية دامية زلزلت المجتمع الفرنسي بعنف وانتفض على إثرها العالم كله منددًا ومستنكرًا، وإثر ذلك العمل الإجرامي هرعت فرنسا لاتخاذ إجراءات صارمة ففرضت حظرًا للتجول وأغلقت الحدود ومنعت اللاجئين السوريين الأبرياء من العبور إلى الأراضي الفرنسية وتعالت الأصوات -وما زالت- بضرورة فرض المزيد من القيود على مسلمي فرنسا، وارتفعت أصوات أخرى أكثر تطرفًا تنادي بحتمية اجتثاث كل ما هو إسلامي والقضاء عليه، ومن عجيب الأمر أن الساسة وصناع القرار في فرنسا يتساءلون: لماذا يضرب الإرهاب فرنسا دومًا على الرغم من أن فرنسا –حسب زعمهم– هي منارة الحرية والعدالة في العالم والمدافعة باستمرار على حقوق الأبرياء والمظلومين؟

غير أن المتأمل للتاريخ الاستعماري لفرنسا -منذ ما يزيد عن مائتي عام حتى يومنا هذا- يجزم بكذب تلك الدعوى ويدرك بما لا يدع مجالًا للشك أن فرنسا – حكومة وجيشًا– هي أحق من يوسم بالإرهاب وأجدر من يلصق به هذا الوصف، ففرنسا قامت عام 1798 باحتلال مصر وبلاد الشام وكلنا يعلم ما فعلوه في الأزهر الشريف من تدنيس وما اقترفوه من قتل وإهانة للشعب المصري، ولقد ارتكب الجيش الفرنسي من الفظائع ما يستلزم أن يفرد له صفحات من تاريخ هذه الفترة، لترى الأجيال كم من القرى أحرقت، وكم من الديار والأموال قد سلبت، وكم من أعراض النساء الحرائر قد انتهكت وكم من الأسر قد شردت على يد فرنسا زعيمة الحرية والإخاء والمساواة والإنسانية.

ولم تكتفِ فرنسا بهذا وإنما احتلت الجزائر سنة 1830 وسامت الشعب الجزائري المسلم سوء العذاب من قتل وانتهاك أعراض وتمثيل بالجثث ونهب الثروات، وتتوالى السنون تلو السنين وفرنسا تصر على التنكيل بالمسلمين في مختلف أرجاء العالم، ولعل تصريحات القادة الفرنسين هي من أظهر البراهين على ما يحمله أولئك القادة من مشاعر عدائية وعنصرية بغيضة، ويكفي ما قاله الحاكم الفرنسي في الجزائر في ذكرى مرور مائة سنة على استعمار الجزائر‏:‏

“إننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآن، ويتكلمون العربية، فيجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم، ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم

وإذا أردنا أن نعرج على قليل من جرائم فرنسا فسنحتاج لمجلدات ومجلدات ولكننا سنكتفي بما سلف.. وللأسف على الرغم من كل ذلك لم تتعلم فرنسا من تاريخها الدموي وإنما ما زالت تمارس أفعالها المشينة وتدخلاتها العنصرية حتى الآن، فلقد شاهدنا بأعيننا ما حدث في إفريقيا الوسطى عندما نزعت فرنسا الأسلحة من المسلمين وتركتهم للنصارى يذبحوهم ويقطعون أعضاءهم ويقومون بشي لحومهم، ثم بعد كل هذا تنعت فرنسا تنظيم داعش بالإرهابي متناسية أنها أول من أزكت نار الإرهاب وأطلقت مارد العنصرية وما زالت تصر على أن تصبح مسعرًا لتلك النار حتى لفحتها بلهيبها…

بالطبع لا أحد يدافع عن تنظيم داعش الإرهابي البغيض ولا عن تلك الأفعال التي لا تمس للإسلام بصلة ولا تربطها بالدين وشيجة، ولكن على فرنسا وغيرها من الدول الظالمة أن تدرك أنه لا بد أن توقف نيران إرهابها وأن تغمد سيفها الذي ما زال يقطر من دماء الأبرياء، ولا بد أن تتوقف كل تلك الدول عن ممارسة الظلم والإرهاب، على الأقل حتى لا تمنح داعش وأمثالها بيئة خصبة وحاضنة شعبية لتنمو وتنتشر وإلا سيتحول الإرهاب إلى كابوس أسود وورم سرطاني يتفشى في أواصر كل دول العالم، وحينها لا تلوموا إلا أنفسكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد