يحدث أن كثيرًا من فلسطينيي الشتات يُقاطعون بلدهم فلسطين، بسبب خوفهم من الوقوع في غياهب التنسيق والتطبيع دون معرفة عميقة بما لهم وما عليهم، يكتفون بمتابعة أخبار بلدهم عبر نشرات الأخبار بلغةِ بلد إقامتهم وتوجّهها. البعض من هؤلاء الكثيرين نسي حتى هويته الحقيقية وركن لخيراتِ ونعيم شتاتِه لقلة إيمانه بوطنه، أو ليأسه من العودة، لا سيما أن أي عودة بنظره تُعد تطبيعًا، بالتالي أُحب أن أطلق عليهم «فلسطينيين» لكن ليس أصحاب بلد.

في حقيقة الأمر، مصطلحات مثل التطبيع والمُقاطعة، مصطلحات ثقيلة وحساسة جدًّا، وقد تُفهم على أكثر من وجه، لذا فالخوض بتفاصيلها ودوافعها أمرْ جيّد وصحّي، ليس لأجيالنا فحسب، بل لأبنائي وأبناء أبنائي وأبنائكم جميعًا. بالرغم من كون المقاطعة نظرية غير مشروطة، يجب على من يعمل للقضية الفلسطينية العمل بمُقتضاها، وأن موضوع قطع العلاقات مع العدو المُحتل غير قابل للتحريف والتكييف، إنما المعركة التي مُمكن مناقشتها وشرحها للعوام وللمثقفين على حدْ سواء، هي معركة التكتيكات والأساليب.

التطبيع هو استسلام علني أو ضمني للوجود الصهيوني، وتمييع الفروقات بمشاركته الحقوق، وإلقاء «الشلوم» عليه دون استحياء، ومد خدّ الوجه الأيمن لهُ بعد صفعِه الخدّ الأيسر، والاعتراف بخرائطه -رغم أن عرفات آثر على نفسه الرأي العام الفلسطيني ووقّع على خرائط إسرائيل يوم 13 يوليو (تموز) 1993- التطبيع هو تكريس احتلالي مؤسساتي، وثقافي، واجتماعي أشد خطورة من الحملة العسكرية. التطبيع هو خلق نقاش مع العدو الغاصب الغاشم حول أمور لا نقاش فيها، هو المفاوضة على المُقدسات، ومُقايضة أمور لا يُمكن لأحد مقايضتها، التطبيع هو إحراق رسومات ناجي العلي وأشعار أمل دنقل، والتبوّل على كُتب كنفاني وعبد الله البرغوثي، وتسييح أبحاث عالم الذرة أحمد فليفل بالشمع الأحمر داخل ظرف وإرسالها إلى القمامة، التطبيع نسيان دماء علي سلامة، وكمال ناصر، وكمال عدوان، وأبي يوسف النجار، وأبي إياد، والمبحوح، وأحمد ياسين، والرنتيسي، والجعبري، وصِيام، وعياش، والقسام، وعز الدين المصري، وريم الرياشي، وأبي خضير، وأحمد جرار، وباسل الأعرج، وغيرهم، في التطبيع نسيان لنضال ماهر الهشلمون، والبرغوثي، ولينا الجربوني، وإسراء الجعابيص، وغيرهم الآلاف من المصابين والأسرى الذي يعاني بعض منهم، أمراض مزمنة كالسرطان، والقلب، والكلى، والغضروف، والضغط، والربو والروماتيزم، والبواسير، وزيادة الدهون والقرحة، شفاهم الله وفكّ أسرهم.

وبالرغم من تعدد طرق المقاطعة، والتي لسنا في صدد الحديث عنها لكثرتها، بل للحديث عن الجدل الذي يدور عبر مواقع التواصل، وفي المقاهي بين الناس في الداخل أو الخارج الفلسطيني، حول التطبيع وأساليبه! تتجدد تلك النقاشات قبيل حضور فنان لإحياء حفل داخل أراضي 48 أو 67، أو قدوم منتخب رياضي للعب أمام منتخب فلسطين في بلدة الرام قرب القدس. وبعيدًا عن التفاصيل، أعتقد أن أساس الجدل، أن هناك فرقًا جوهريًّا بين فِكر جُل الناس الذي يسكنون داخل فلسطين، عن الفلسطينيين الذي هم خارجها، وهذا هو سبب عدم التقاء الآراء، بل اختلافها إلى حد الشتم والتخوين، لا بُد من وجود أرضية معايير مشتركة لسيكولوجية الجماهير المُتنازع بينهم، لتجنب اختلاف العقليات، فسمات جُل أهل فلسطين، عقلية عنيدة متحجرة ولا تقبل أن تتلقى أحكامًا من الخارج، بحُكم أن من هم بالخارج لم يسكنوا فلسطين، وبحُكم أن الواقع مختلف، مع أن جُل أهل فلسطين سواء في 48 أو 67، لديهم ازدواجية وانتقائية رهيبة في مسألة التطبيع، أحيانًا يبدأ التطبيع من أتفه الأمور، أصحاب السوبر ماركت يفضلون جلب المنتج الإسرائيلي على المحلي بحجة «إنو بنباع أسرع»، بينما على أبواب دور السينما تُباع سندويشات النقانق والمرتديلا الإسرائيليتين بكثرة، ببساطة لأنها «أزكى من النقانق الفلسطينية المعفّنة»!

نحن اليوم أمام حركات مقاطعة كثيرة، تدعو لقطع الاستثمارات، وسُبُل التواصل مع المُحتل، وتُشكر على الغاية والفكرة، إلا أن تلك الحركات تتسم بدورها بالازدواجية في وضع معاييرها، مما يزيد من الشكوك حول نظافتها وصلاح حملاتها، وحول من هُم داعموها، وحول وضوح أهدافها ورسالتها! تُشبِه حركات المقاطعة هذه، فصائل الكفاح المسلح الفلسطيني في النصف الثاني من العقد الماضي، وطريقة ترويجها للقضية الفلسطينية، الانتقائية نفسها، و«المحسوبيات» نفسها، لا فرق كبير سوى أن الأخطاء نفسها تتكرر لكن بمسميات مختلفة وبِمباركات أكثر فِتنة.

قبل أن تخون أي شخص قام بزيارة أرضه الأصلية، وعنده أهله في الداخل الفلسطيني، يجب على مؤسسات المقاطعة وضع بديل فاعل بما يحفظ ربط العائلة الفلسطينية في الداخل مع أبنائها في الشتات، كذلك لا أرى أن هذه الحركات تقوم بمعركة داخل أرض 67، كتلك التي تقوم بها بضراوة مع من يريد الدخول عبر فيزا إلى داخل فلسطين، رغم أن الفيزا هي نفسها التصريح الذي أستخدمه أنا وأنت للدخول عبر منفذ الملك حُسين واللنبي، الاثنان يحتاجان موافقة إسرائيلية وسُلطوية.

وبناءً على معايير الحركات التي تُبشر بالمقاطعة، والتي من الممكن أن يكون مصدرها دولًا أجنبية، مدفوعةً بانتقائية وضغوط معينة، فيا عزيزي كلْنا مطبعون «ع هيك»، سوف يصبح كل أهل فلسطين خونة لامتلاكهم تصاريح وهويّات وموافقات أمنية لا مفر منها. على تلك الحركات والمؤسسات أيًّا كانت أيدولوجيتها ودوافعها، وتُشكر على بعض جهودها، أن تتعامل بواقعية مع ما هو ضروري للوصول إلى الأرض الفلسطينية مع ما هو غير ذلك، التخوين هو لعب بالنار ومحاولة زعزعة الشارع وتكوين أعداء إضافيين لربما يقود هذا الخلاف، بعض الأفراد المتهورين للوصول إلى تطبيع حقيقي نكاية بتلك الحركات، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن سكان فلسطين، الضفة الغربية، قطاع غزة، القُدس، وعرب الداخل، مجبورون على التعامل بدرجات متفاوتة مع المُحتل قسرًا، وفقًا لمكان وجودهم الجغرافي، وذلك لحفظ دمائهم وجنسهم من القتل والتنكيل والاعتقال، وفي هذا عدم اعتراف بإسرائيل، وليس إعطاء أي شرعية للمحتل لممارسة ما أعدّه سلفًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!