عزيزتي إيفون، على غير ما تعودت كل عام من تهنئتك وجميع أصدقائي المسيحيين بأعياد الميلاد، إلا أنه كما تلحظين لم أستطع العام الماضي أن أفعل لأنني كنت مطاردًا بعيدا عن بيتي وأولادي وعملي ووطني، ولازلت هذا العام على الوضع نفسه.

بل وانضم إلي الآلاف. كما انضم الآلاف من أبناء مصر إلى شهداء الثورة تحت الثرى، سواء برصاص العسكر، أو بأفعال العسكر التي اضطرتهم للانتحار شنقا أو غرقا في هجرة غير شرعية.

عزيزتي إيفون، لن أستطيع أن أقول لك: عيد سعيد؛ لأن مصر حزينة.

وللأسف الفضل لكم في هذا الوضع. وهو ما زاد من ألمي وحزني على المستوى الشخصي. فاسمحي لي أن أعتذر عن التهنئة هذا العام لك ولكل زملائي وجيراني المسيحيين.

عزيزتي إيفون، زميلي الصيدلي قبل أن يكون بابا الكنيسة بأصواتكم “تواضروس”، والذي هنأته بتوليه هذا المنصب الهام فهو من شكر العسكر ثلاث مرات صبيحة يوم تفويض الدم. يوم مجزرة المنصة البشعة. فيما زالت رائحة الدماء المصرية الحارة التي روت الميادين تزكم الضمائر.

نعم عزيزتي إيفون، هو من اعتبر تبرئة مبارك المسئول عن تفجير كنيسة القديسين حكمًا عادلا، بل وأشاد بأحوال المسيحيين في عهد مبارك.

هو الذي اعتبر ثورة 25 يناير “عملًا صنعته أيدٍ خبيثة”. هو من اعتبر النص على مبادئ الشريعة الإسلامية يقود إلى دولة غير عصرية وغير مدنية. هو الذي يشكر القتلة على الدماء ويقول “لا مجال للحديث عن حقوق الإنسان في مصر الآن”.

وكأن من يقتلون ويسجنون ويشردون في مصر الآن وأنا منهم لا يحسبون على بني الإنسان في عرف زعيمكم المنتخب بأصواتكم. هو عينه عزيزتي إيفون، الذي يدعي ألا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، ثم يقبل أن يجلس بجوار وزير دفاع ينقلب على حاكم منتخب ليضفي على بيانه الانقلابي تأييدًا دينيًا، وهو الذي يدفع ويحشد المسيحيين للتصويت في اتجاه بعينه قائلا “نعم تجلب النعم”، وهو الذي يصف مسيحيي مصر بأنهم “شعب الكنيسة” ويحرمهم حقهم في مصريتهم. هو عينه الذي يمارس دور الخبير المائي مرةً عندما يقول “السد الأثيوبي مفيد لمصر”.

ودور الحاكم الفعلي لمصر عندما يملي شروطه لعودة جماعة الإخوان للحياة السياسية مرة أخرى. اعذريني عزيزتي إيفون، متى انتزع الإخوان من نسيج مصر ليشترط عليهم العودة له مرة أخرى؟! الإخوان نسيج أصيل في الجسد المصري لا يمكن انتزاعه. فهم الزوج أو الصديق أو الأخ أو الزميل أو الابن أو الجار. هم ملح الأرض مثل باقي المصريين.

وواهم من يظن غير ذلك. وفي التاريخ بر يميني. كنت أتمنى. نعم كنت أتمنى عزيتي إيفون أن يستمر حديثي على هذا المنوال ملقيا اللوم كله على فرد واحد يمثل السلطة العليا في الكنيسة، ولكن مع الأسف كونه منتخبًا بأصواتكم، وكوني على مدار عام ونصف من المجازر لم ألمح من أي من أصدقائي وزملائي المسيحيين أي استنكار، جعل لومي يشمل جميع إخواني المسيحيين.

عزيزتي إيفون، يا من كنا نتبادل التهنئة في الأعياد بكل ود منذ عملنا معا في اتحاد المهن الطبية والتي تعملين كسكرتيرة به. وحتى بعد أن تركته أنا عقب انتخابي نقيبا لصيادلة القليوبية عام 2011، ظل بيننا الود والتواصل والتهاني. عزيزتي إيفون هل تعلمين؟!

هل تعلمين أنني شاركت في تظاهرة بشارع شبرا (شارع رئيسي بمنطقة شمال القاهرة معروف بأغلبية سكانه من المسيحيين)، احتجاجًا على ما كنا نصفه وقتها بـ”تقاعس الشرطة في تفجير كنيسة القديسين”. قبل أن ينكشف أن قوات الشرطة نفسها هي من دبرت الحادث.

تلك القوات التي كنتم تحملونها على الأكتاف مساء الأربعاء 3 يوليو 2013 في شارع شبرا وأمام كنائسها، عقب بيان الانقلاب. هل تعلمين أنه في مقابل ذلك وأثناء تظاهرة رافضة للانقلاب في منطقة سكني، عين شمس (شرق القاهرة)، وعند تقاطع شارعي أحمد عصمت وصعب صالح، تم إطلاق رصاص حي وخرطوش من الكنيسة على المظاهرة التي كان من بينها ابني وابنتي.

عزيزتي إيفون، كل هذا لم أكن أريد البوح به لاعتبارات تتعلق بتقديري أن ضرر نشره قد يكون أكبر من كتمانه، إلا أن ما دفعني لذلك أمران:- – استمرار تواضروس في نفس النهج المفجر للوطن والضار لوضع المسيحيين فيه قبل المسلمين، والذي يتعارض حتى مع تعاليم المسيحية “الله محبة”، “أحبوا لاعنيكم” (فما بالكم بإخوانكم؟!)، “من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر” (فماذا عمن رفع يده ليحميكم ويحرر وطننا جميعا من استبداد العسكر)؟!

وبالتالي عزيزتي يبدو أن هذه التصريحات ليست استثناءً أو خطأ غير مقصود. بل سياسة صادرة عن مؤسسة دينية شاركتم في اختيارها بالانتخاب.

الثاني أن دائرة معارفي منكم منذ بداية الانقلاب وحتى الآن لم ألمح منهم أي استنكار لما جرى تصريحًا أو تلميحًا، وهو ما جعل فؤادي ينزف ألما. فكيف بأخي يساهم في قتلي ويحيي قاتلي؟!

متناسيا دماء باقي إخوانه من المسيحيين التي أهدرها العسكر عند ماسبيرو.

متناسيا كيف كان الإخوان المسلمون يحمون احتفالاتهم بعد تقاعس الشرطة وانسحابها المتعمد. وختامًا عزيزتي إيفون، سأعاود تهنئتكم مجددا بعدما تثبتون بحق أننا شركاء في وطن، نعمل لغده الذي نفخر به سويا ونضحي من أجل حريته سويا. أما اليوم فالتهنئة والتحية فقط للأحرار من المسيحيين.

رامي جان ونيفين ملك وإخوانهما. وإلى لقاء في أعياد وطن حر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد