تجوّلتُ يومًا في أزقة الحيّ الذي ابتُليَ أبناء عصرنا بالمكوث فيه أوقاتًا طويلة إن بفائدة، أو لمجرّد التسلية المحض، ذلك الحي الذي قرّر منشئوه تسميته «فيسبوك»، أنظر حال قاطنيه وساكنيه، أطّلع على أعمالهم، وأقرأ نصوصهم لعلّي أجد بعض ما أنتفع به أو ألتقطه فيكون بذلك متاعًا لي في رحلتي، إلى أن تعثّرتُ بنصّ أشار أحد الأصدقاء عليّ أن أطالعه وليته لم يفعل.

لم أكد أنهِ قراءة آخر سطرٍ فيه حتى كادت روحي تخرجُ من بين جنبيّ؛ وكأن الكاتب أراد تعذيب قرّائِه فألهب عقولهم بسياط اللغة الصّعبة، والعبارة المعقّدة التي يكاد المتخصصون يفهمونها بصعوبة فائقة.

تذكّرتُ حينها كلام الشّيخ علي الطنطاوي – يرحمه الله – معلّقًا على أسلوب الأديب العربيّ الكبير (مصطفى صادق الرافعي)، وتحوّل رأيه فيه، فيقول:
«وكنت معجبًا أشدَّ الإعجاب بالرافعي، ولكن تبدَّل نظري إليه وحكمي عليه، وخير ما كتب (تحت راية القرآن) و(وحي القلم).. أمَّا ما يسمّيه فلسفة الحب والجمال في مثل (رسائل الأحزان) و(السحاب الأحمر) و(أوراق الورد) فأشهد أنّه شيءٌ لا يُطاق، يتعبُ فيه القارئ مثل تعب الكاتب، ثم لا يخرج منه بطائل».

إنّ الإتيان بغريب الألفاظ، وذكرها عند من لا يفهمها، حتى تبدو كأنها من طلاسم السّحرة والكهنة، يعد ضربًا من ضروب الحمق عند العرب.

وممّا ورد في ذلك أن أبا علقمة أتى يومًا إلى أبي زلازل الحذّاء، فقال: يا حذّاء! احذ لي هذا النّعل، فسأله: وكيف تريدُ أن أحذوها؟ فأجابه: خصّر نطاقها، وغضّف معقبها، وأقبّ مقدمها، وعرّج ونية الذؤبة بحزم، دون بلوغ الرِصاف، وأنحل مخازم خزامها، وأوشك في العمل. فقام أبو زلازل فتأبّط متاعه، فسأله أبو علقمة: إلى أين؟ فقال الحذّاء: إلى ابن القِرّيّة – وهو من أئمة الفصاحة والبيان – ليفسّر لي ما خفي عليّ من كلامك!

وممّا نقله ابنُ الجوزي في «أخبار الحمقى والمغفّلين» عن أبي العيناء أنّه قال: دخلَ العطويُّ الشاعر على رجلٍ بالبصرة وهو في النزع الأخير، فقال له: يا فلان، قل لا إله إلا الله، وإن شئتَ فقل لا إلهًا إلا الله، والأولى أحبّ إلى سيبويه، وعليها مذهب نحاة أهل البصرة!

فانظر كيف تلاشت الفائدة اللغوية التي أرادها العطويّ من حديثه، وذهبت الفكرة التي كان يرجوها أدراج الرّياح عند استعمالها في غير مقامها الصحيح، وكذلك (التقعّر) في الكلام، يقتل الأفكار بين السّطور، ويذهب كثيرًا من الفوائد الموجودة في النصوص على حساب اللغة.

واقرأ حديث الشيخ الطّنطاوي عن تجربته في اختيار الأسلوب؛ ناصحًا الطلّابَ قبل خوض معركة الكتابة في مقالة بعنوان «كيف تكون كاتبًا»، ضمن كتابه «فكر ومباحث»:

«أمّا الألفاظ فما أحب أن أكلّم فيها إخواني الطلاب وإنّما أقول لهم إنّي كلّما تقدمت شعرت من نفسي بميلٍ إلى انتقاء أسهل العبارات وأقربها إلى اللغة المألوفة، ونفور من زخرفة الجمل والعناية بالألفاظ. وقد كانت هذه الزخرفة وهذه العناية بالألفاظ أكبر همّي أولًا حتى لقد كنت أحسب البراعة في الكتابة بمقدار ما فيها من رنّة موسيقية، لا بمقدار ما فيها من أفكار، ولا أبالي بنقد الناقدين لهذه الطريقة اللفظية الجوفاء، ولا أقيم له وزنًا، كما أنّ إخواننا هؤلاء لا يبالون (كما أقدّر) بهذه الكلمة مني، ولا يقيمون لها وزنًا».

ناهيك عن صعوبة فهم المتلقّي للنصوص التي تقعّرَ كاتبها في صياغتها، وإتعاب القارئ أكثر من نفعه، فقد نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، عن «التنطّع»، كما جاء عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: هَلَكَ المُتَنَطِّعون. قالها ثلاثًا) وقد فسّر العلماء لفظَي التنطّع والمتنطعين بأكثر من تفسير منها: التقعّر في الكلام، والتشدّق باللسان، بتكلّف الكلمات حيث لا معنى ولا مضمون، ولا فائدة ترجى من تشدّقه وتقعّره.

فرفقًا بنا يا معشر الكتّاب (وأعني هنا المتقعّرين دون غيرهم)، فقد والله أتعبتمونا أكثر ممّا نفعتمونا. أمّا من تحلى بسلاسة الأسلوب، وسهولة العبارة، وإتقان إيصال الفكرة بلغة سليمة تناسب القرّاء، فسلمت يمينه، ولا حرم الله قارئًا من فوائده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد