إن موضوع القيم من بين أهم الموضوعات التي تحدثت فيها مختلف الحضارات البشرية، فبالرغم من اختلاف الثقافات والأعراف، إلا أن هذا الموضوع يظل أساسيًا لدى كل العقائد والفلسفات. كلنا نعلم أن معظم القيم في المجتمعات يكون مصدرها إما ديانة معينة، أو مذهبًا فلسفيًا محددًا، تستند إليه هذه المجتمعات من أجل تقنين سلوكيات الأفراد.

وعند حديثنا عن قضية القيم يجب أن نستحضر أعلامًا أو أشخاصًا ضحوا بأرواحهم وحياتهم من أجل سيادة أو تأسيس قيمة مثلى، فمن غير الفيلسوف سقراط جسّد بخضوعه لمبدأ القانون قيمة العدالة؟ ضحى بحياته فاستحق بذلك لقب شهيد الفلسفة، فأصبح الجميع يقول عنه: بموته عاشت الفلسفة، ومن غير روميو وجولييت جسّدا قيمة الحب؟ فأصبح الحديث الذي تلوكه الألسنة: بموتهما عاش الحب.

ولنا في التاريخ نماذج عدة، سواء تعلق الأمر بأعلام، أو فلاسفة، أو شخصيات، لهم حرمة مقدسة، أو حتى أشخاص عاديين، لكن لماذا يرتبط مجال القيم بموت الإنسان؟ لماذا نستحضر دائمًا مفهوم التضحية عند مناداتنا بأية قيمة؟ هل يتوجب على أي شخص أراد أن يعيش بقيمة معينة أن يدفع حياته ثمنها؟ لتعيش بذلك القيمة، لا هو.

هل نقول عن سقراط إنه كان زاهدًا في حياته بسذاجة؟ فقد عاشت قيمته لا هو. هل نقول عن روميو وجولييت كانا غبيين بما يكفي، فانتحرا معًا؛ فعاش الحب بدلًا عن أن يعيشا بحب؟ وما فائدة تضحيتك من أجل قيمة معينة إن لم تعشها، ثم إلى متى ونحن نسمع شهداء القيم هاته، فهذا شهيد الحرية، والآخر شهيد الكرامة، وذاك شهيد العدالة، أنحن نعيش في عالم يسود فيه الظلم والفساد إلى الحد الذي يجعلني أدفع فيه حياتي ثمن قيمة معينة؟ هل نبتغي حياة الإنسان أم حياة القيم؟ وهل يمكن اعتبار موت الإنسان وانبعاث القيم معادلة متساوية أم جدلية قائمة؟

إذا تأملنا هذه الإشكالية سنجدها حقيقة تفرض نفسها على العقول، معظم الشخصيات الكبيرة عبر التاريخ، والتي شكلت أيقونة لقيم معينة إن لم يكن مصيرها الموت، فإنها تعيش عكس تلك القيمة المبتغاة، مانديلا الذي عاش حياته ينشد الحرية صاحب القولة الشهيرة: «الحرية لا يمكن أن تعطى على جرعات، فالمرء إما أن يكون حرًا أو لا يكون»، عاش ثلث حياته في السجن.

سقراط، الفيلسوف العظيم، الذي شكل اسمه فيصلًا في تاريخ الفلسفة، رفض قبل موته أن يقف ضد قوانين العدالة حتى وإن لم تنصفه، وفضل أن يتجرع السم على أن يفر من السجن، فكان بذلك أول شهيد للفلسفة التي تضم مبحث القيم، والذي يعد أهم مباحثها الكبرى. هنا نتساءل: هل العدالة التي لم تنصفه أم أن المتحكمين في قوانين العدالة هم غير المنصفين؟ وإذا لم تنصفنا العدالة فأي من القيم الأخرى يمكنها أن تنجينا من الظلم؟

حتى الشخصيات المقدسة كالأنبياء والرسل، والذين يكون هدفهم الأساسي تأسيس وتثبيت القيم السامية، وإتمام «مكارم الأخلاق»، لم يسلموا هم الآخرون من هاته الجدلية، عاشوا معاناة شديدة من أجل أن تعيش تلك القيم بين البشر وتسود بينهم. وليس الهدف هنا هو سرد الشخصيات التي ضحت بنفسها في سبيل إرساء القيم عبر التاريخ، بقدر ما أن المهم هو لفت الانتباه لهذه الجدلية الوجودية، وفتح الرؤية اتجاهها.

إن انبعاث القيم في أي مجتمع يأتي بعد ركود قاتل، أو بعد موت هذه القيمة في الواقع، فيتطلب الأمر موتًا آخرًا كي تحيا من جديد، وهذا ليس بغريب. ونظرًا لسيطرة الأنظمة الديكتاتورية في واقع الناس فالأمر لن يتطلب سوى ترديد بعض الشعارات في الشارع للتعبير عن رفضهم وغضبهم من غياب قيم الحرية والكرامة وغيرها عن حياتهم.

يخرج مختلف فئات المجتمع من شباب وشيوخ ونساء إلى الشارع فاتحين صدورهم نحو الموت، لذلك ليس عبثًا أن نجد شعار «الموت ولا المذلة» يتكرر دائمًا، وها هو الموت يسبق ويعلو على القيمة، نموت نحن وتعيش القيم، لمن هذه القيمة إذًا؟ سيقول الكثير لأحفادنا وللأجيال القادمة، بالرغم من أننا نعلم أن كل من يصرخ بهذه القيم يبتغي عيشها، فقد ضاق ذرعًا بمجتمعه الفاسد، البائس.

أوليس الإنسان هو غاية في ذاته؟ كما قال فيلسوف الأخلاق كانط: «البشر غاية بحد ذاتهم، وليسوا وسائل، فليس من الإنسانية مثلًا أن يضحى بجيل من البشر من أجل جيل يليهم إذا لم يساورنا إحساس بمصير المضحى بهم»، يموت الإنسان إذًا لكي يعيش ابنه بحرية، لا لكي يعيش الحرية.

حتى إذا ما حاولنا تحديد دلالة القيمة، فسنكون أمام تحديات إبستمولوجية عديدة، فيظهر أننا لا يمكننا تعريف القيمة، وإنما الشيء اللصيق بالقيمة، أو الحاصل عليها، وهو ما قلناه سابقا عن ارتباط وجود القيمة وتجسيدها من طرف الإنسان، والذي يدفع ثمن هذا التجسيد غاليًا.

يمكن أن نقر بأن هناك ترابطًا وثيقًا بين القيمة والتضحية عبر العصور، طالما كان هناك عالم، وإنسان يسكن هذا العالم؛ لذلك ليس لنا سبيل إلا البحث عن السبل التي بها تتأسس القيم، نحن نعلم أننا في نهاية الأمر نبحث عن تمظهر هذه القيم في الواقع، وبالرغم من الصعوبات والأزمات فإننا لا نملك إلا أن نتصارع ضدها للعيش بحرية وبكرامة، هذا الصراع الذي يقودنا لمفهوم القوة، وفي كل المعارك القوي هو من ينتصر، سواء كانت تلك القوة فكرية، أو اقتصادية، أو سياسية.

كوريا الشمالية مثلًا، قوتها تكمن في المجال العسكري، بزعامة كيم جونج أون القائد الأعلى لكوريا الشمالية، وأمريكا هي الأخرى تمتلك أقوى اقتصاد في العالم، أما الأقوى فكريًا فنجد الصين أولًا تليها الولايات المتحدة الأمريكية، ثم المملكة المتحدة حسب بلدان الأكثر نشرًا للكتب.

القوة هي ما تجعل لأي مجتمع قيمة بين المجتمعات الأخرى، وتمكنه من تأسيس القيم داخله، فهذا الصراع بين القوة والقيمة، صراع تقليدي قائم منذ القدم، إذ تمقت القيمة القوة وتجعلها بائسة. والقوة بدورها تهدد القيمة. بالرغم من أن هناك ما قد يدفعنا إلى القول إن هذا الصراع يضم توافقًا منطقيًا، يكمن في اعتبار القوة هي في حد ذاتها قيمة، كما قال بذلك فيلسوف القوة نيتشه. لا يمكننا إلا أن نقول إن هناك علاقة جدلية كذلك بين القوة والقيمة.

فهل نفهم أننا وجدنا لنطالب بالقيم؟ فيكون الموت حليفنا، ونكون بذلك قد ضحينا في سبيل الإنسانية، لا الإنسان، وفي سبيل الحرية، لا الإنسان الحر. وبالتالي، نكون أمام جدلية قائمة.

إن هذه الإشكالية قد تجد إجابات دينية عديدة، كما قد تجد تأويلات فلسفية مختلفة، لكونها قضية إنسانية جديرة بأن تكون محط حوارات متعددة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد