مخيمات النزوح ليست معالم أثرية يتدافع الناس لاستكشافها في ضروان. ولكنها أماكن قد تتحول فعلًا إلى تراث وذكرى يتم التقاط الصور فيه ويتذكر من كانوا أطفالًا فيه في هذه الأيام معاناتهم التي قضوها لسنوات تحت أقمشة لا تقيهم حر الصيف ولا برودة الشتاء.

عشرات الآلاف من الأسر الفارّين من مناطق الحروب يتناثرون في مخيمات النازحين المتواجدة على طرف أحد الشوارع التي تربط بين العاصمة صنعاء ومنطقة همدان والتي تحوي آلاف الأحياء السكنية المبنية بالطوب والأحجار والإسمنت.

المخيمات لا تعد بيئة صالحة للعيش ولا تحتضن الأطفال والكهول الذين حطّمت طموحاتهم وآمالهم في الصغر والكبر.

الكهل الذي ما زال يخطو دامي القدمين والكفين على الدرب الطويل، وعند كل مفترق الطرق الآلام تنتظره؛ لم يجد أي راحة عندما حطَّ رحاله هنا، حامل على الأكتاف مدينته الثكلى مأرب، متنفِّس جراحه ليستمر على قيد الحياةِ والوطن.

مخيم النزوح ليس بيتًا لتعيش فيه الأسر حياة طبيعية كباقي الأسر المتواجدة في أماكن آمنة أو حتى تأويهم بيوت من الأحجار والإسمنت وتدفع عنهم الضرر الإنساني والطبيعي والحيواني، لم يعد النازح يبحث عن الترف الوجداني بعيد المنال، ولكن يبحث عن لقمة العيش التي تبقيه على قيد الحياة أطول وقت ممكن.

في مخيم ضروان تتكدّس أكثر من أربعمئة وثمانين أسرة وقد يصل العدد في الأيام القادمة إلى أكثر من ذلك إذا ما استمرت الحرب في اليمن وزاد تعنت الحوثيين وإصرارهم على أنهم الأقوى وكأنهم في غابة لا يحكمها إلا من كان قويًا، لا يعنيهم حياة الآخرين ولا مستقبل أطفالهم؛ يستلقي النازحون على الأرض لا يجدون ما يقيهم من التراب وكأنهم أموات يستنشقون ترابهم ليل نهار.

حتى المعتقل أو السجن لا يكون بهذا الوضع ولكن عديدًا منهم يقولون هنا أفضل فقد فررنا من بطش الحرب والقائمين عليها.

إنَّ هذا المخيم الذي جاءَ ابتداء حلًّا لمشكلةٍ حقيقيةٍ يعاني منها المواطنون؛ كان يُرتجى منه أن يكون أكثر أمانًا وصحة؛ إذ إن هذه الأمكنة بيئة غير صالحة لحياة إنسانيّة تحتضن النازحين الذين حطّمت أحلامهم واقتلعت من أراضيهم جلَّ طموحاتهم وآمالهم، وفجَّر فيه التهجيرُ كثيرًا من الهواجس والمخاوف، وأحدث فيه الظُّلمُ عددًا من الشذوذات النفسية.

غيرَ أنَّ آلية التعاطي مع النازحين ابتداءً من المنظمات الإنسانية التي يفترضُ بأنّها هي من تقوم بتبني القضيّة؛ إذ إنها تتعامل وكأنها تقوم بالتعامل مع حكومة شرعية لها قوانين وقواعد تتبعها ولا تقوم بالإشراف على المعونات والمساعدات التي تقدمها إلى النازحين وإلى أين تذهب بعد صرفها لهم، فمن يسيطر على مخيمات النزوح في ضروان يقومون باستغلال حاجةِ النازحين وحرمانهم من المساعدات التي تصل اليهم.

أضف إلى ذلك أن من يقوم بتسلم الأغذية والمعونات الإنسانية يقومون بصرفها وتقاسمها فيما بينهم أو بيعها في السوق السوداء. بينما ينتظر النازحون شهورًا عدة حتى تصل إليهم بقايا تلك المساعدات إن وصلت.

إن هذه الطريقة في تسليم المعونات الإنسانية لجهات تعتبر غير شرعية أو غير آبهة بالنتائج التي ستحصل بعد ما يقومون به والتعامل غير الإنساني مع أغلب النازحين في مخيمات النزوح، والتي أوجدت تربة خصبة لتفجر مشكلات نفسية واجتماعية واسعة أفقدت النازحين أدنى درجات حقوقهم الإنسانية أيضًا؛ إذ لا يستطيعون تقديم شكواهم لأي جهة إعلامية أو حقوقية خوفًا من القتل أو الاعتقال.

أن يكون هؤلاء النازحون المتناثرون في المخيمات على أجندة المنظمات الحقوقية والإنسانية العاملة في هذا المجال وفي دائرة اهتمام اليونيسيف، هو الخطوة الأولى للأخذ بأيديهم من الفقر والمرض واللجوء إلى ذل أنفسهم عن طريق مد أيديهم للتسول وتناول لقمة عيشهم من المارة. ضياع لا يختلف كثيرًا عن أوضاعهم في مناطق الحروب التي تجبرهم على العيش تحت النيران واختيارهم لطريقة موتهم السريع الموت جوعًا أو قتلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مخيمات
عرض التعليقات
تحميل المزيد