عندما نغمض عيوننا يأخذنا خيالنا ليذكرنا بأمجادنا، ولكن تخيلوا معي أن يأخذنا التاريخ من أيدينا، ليتجول بنا ونحن بكامل وعينا على ضفاف صفحاته، كي يرينا بنفسه ما سطر بها، ولكن ليس كتابة، بل أحداثًا نشاهدها بأعيننا، ونسمعها ونشتم رائحة عبق الماضي تخرج من أحداثنا اليومية، هذا ما يفعله أحفاد المختار اليوم!

فمنذ زمن تدار منطقتنا بنظرية الدومينو، عندما تسقط قطعة يتوالى سقوط باقي القطع، وهذا ما يخشاه حكام الغرب والعرب، أن يسقط أحد طغاتهم فيتوالى سقوطهم قطعة خلفها قطعة، هذا ما دفع دول الخليج وعلى رأسهم الإمارات والسعودية لدفع المليارات لإفشال ثورات الربيع العربي، خوفًا من وصولها إليهم، وقد نجحوا في إجهاض الموجة الأولى، ولكن جاءت الموجة الثانية لتكون أعنف وأقوى.

فإن كانت ثورة تونس هي الملهمة، فثورة ليبيا هي الأسطورة.

نعم الأسطورة التي زعزعت عروشهم، وأرعبت رئيس الانقلاب بمصر، وأربكت حسابات الغرب، فلليبيا وضع خاص.

فما سر الأرض العصية على مر التاريخ؟

الأرض التي بجلد رجالها، وقوة إيمانهم ومن على ظهر خيولهم استطاع عمر المختار أن يحني جباه قادة إيطاليا الفاشية.

ما أسباب رعب الأعراب وأوروبا؟

أولًا:

موقع ليبيا، حيث تقع تمامًا في مركز العاصفة الثورية للربيع العربي، هي نقطة تلاقي ثورات الغرب تونس والجزائر، وثورات الشرق مصر والسودان وما خلفهما، لذلك يسعى محور الشر بكل ما أوتوا من مال وسلاح، إلى السيطرة على ليبيا وعدم انتصار الثورة فيها.

فهم يريدون أن تكون ليبيا بؤرة مرعبة لما تفعله الثورات، ليفصلوا بها بين ثورات الشرق والغرب، فكما خلقوا سابقًا سرطانًا جغرافيًّا «الكيان الصهيوني» لتمزيق وحدة الرقعة العربية، وإضعافها وخلق فاجعة تلهيهم عن التوحد لإعادة الخلافة، أو إيجاد خلافة جديدة يجتمعون تحت مظلتها، يحاولون الآن إعادة استنساخ كيان فاشل لثورات بليبيا ليصبح فزاعة للدول شرقًا وغربًا، بدلًا من أن يكون ملهمًا وقدوة.

ثانيًا:

نجاح ثورة ليبيا سيكون شعلة الأمل التي ستشعل نفوس ثوار الربيع العربي الذين اغتصبت ثورتهم، وأول هذه الثورات بمصر، الجارة الملاصقة التي خبت ثورتها، ولكنها ظلت على صفيح ساخن تنتظر شرارة الانطلاق، لذا يدفع السيسي من أرواح جنودنا ثمنًا لإبقاء نظيره المنقلب في ليبيا.

ثالثًا:

الإعجاز في الثورة الليبية، التي لم يكن يملك ثوارها سوى أقل من نصف عاصمة محاصرة بجيوش وأموال وسلاح فوق التخيل.

وفي لمحة أشبه بالفلاش باك، يعيد التاريخ نفسه، ليظهر عمر المختار مجسدًا بأحفاده، فيعيدوا انتصار جدهم بإمكانيات لو قورنت بما يملكه محاصروهم، لرأينا الخيل في مواجهة مدرعات إيطاليا.

ظهور روح الجهاد التي لا تعترف بإمكانيات، ولكن تؤمن فقط بقول رب العزة: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم».

فأكثر ما يرعب الغرب وأذنابهم عودة روح الجهاد التي ظلوا عقودًا قابعين على وأدها في نفوس المسلمين، حتى لا ينتفض المارد ويعود لقوته.

رابعًا:

خطورة انتشار فكرة أن ثورة «مسلحة» تنتصر على جيوش منظمة، فهذه الفكرة ستجعل كثيرًا من الثوار الذين ينتهجون مبدأ السلمية يعيدون حساباتهم، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى سيجعل الثوار الذين يملكون السلاح كاليمن مثلًا، والتي يتشابه وضعها تقريبًا مع ليبيا، أن تتطلع إلى وحي فيه الأمل بعد أن قطعوا أوصالها، وسحقوا مواطنيها تحت سلاح الجوع والمرض والقصف عن سبب الفشل، ليعرفوا أن السبب لما وصلوا إليه هو «الحليف» فشتان بين الحليفين.

خامسًا:

الحليف، لقد وجدت ليبيا حليفًا أسطوريًّا كثورتها، جازف بالتحالف مع مجموعة من الثوار لا يملكون على أرض الواقع سوى نصف عاصمة، ولكن يملكون بأرض الحقوق، شرعية منتخبة ومعترف بها، وحلم الحرية والتخلص من الانقلاب.

لكل مشكلة كلمة سر، وكلمة السر فيما يحدث بليبيا بعد صمود رجالها هي تركيا، هذا الحليف تحديدًا الذي يخشاه جميع ثعالب محور الشر والغرب، الملتفين حول ليبيا، والطامعين بنهش لحمها ونبش أرضها، والاستيلاء على كنوزها وسحق حلم الحرية فيها؛ للخفاظ على الفتات الذي قسمه عليهم سايكس بيكو.

فظهور تركيا على حدود مصر بعد ما أحدثته من انقلاب في موازين القوى بليبيا، جعل الخوف يدب في أوصال السيسي لشعوره بأنه سيكون الحجر الثاني بعد سقوط حفتر، جعله يتصرف بتخبط وعدم اتزان، فاستقبل حفتر الذي رفضت دول أوروبية استقباله، ويعلن مبادرة عجيبة من طرف واحد لوقف إطلاق النار، بل يطلب من الجانب المنتصر صاحب الشرعية المعترف بها دوليًّا، تسليم سلاحه والجلوس على مائدة مفاوضات مع انقلابي.

ثم نجد السيسي يجند إعلامه في نشر كذبة أن دخوله حربًا في ليبيا هو للدفاع عن أمن مصر القومي، وهو بالحقيقة دفاع عن أمنه الشخصي، فأمن مصر القومي لا يعني السيسي أبدًا، وأكبر دليل ملف سد النهضة.

السيسي يستخدم جيش مصر ومقدراتها، ويجعل الشعب الذي أفقره يعيش اقتصاد حرب بوقت جائحة تضرب العالم كله، لا لشيء إلا للحفاظ على وجوده وأمنه الشخصي فقط.

هذا حال السيسي من الوجود التركي على حدود مصر، فماذا عن باقي محور الشر

الذين دمروا اليمن تدميرًا؟

فبعد أن اتخذتهم الحكومة الشرعية باليمن حليفًا أصبح التقسيم والحرب الأهلية كابوسًا جاثمًا على صدرها، هذا ما آل إليه الأمر باليمن، بعد تحالف أربع سنوات دمار وجوع، وتقسيم يلوح بالأفق مقارنة مع ما فعلته تركيا مع الوفاق بليبيا في عدة أشهر من انتصار وتوحد أراضيها، يظهر لنا أن العيب الذي يؤدي للانهيار والتقسيم والفوضى ليس بالثورات كما يزعمون، ولكن بأيادي الشر العابثة بمصائر الشعوب لترتفع عروشهم فوق جماجم الأبرياء.

يخشى محور الشر ومن ورائه أوروبا الصليبية التي لم تنس يومًا ملاذكرد، ولا الفتوحات الإسلامية لبلادهم على يد العثمانيين، عودة المارد الإسلامي متمثلًا بتركيا، التي تحاول جمع شتات المسلمين، وتضع قدمها بمراكز القوى لأهم مناطق العالم باب المندب، خاصة بعد تحالف تركيا مع الصومال، ووجود تركيا بالسودان، وتحالفها مع قطر والكويت، فأصبح الأمر كابوسًا لمحور الشر أن يمتد التحالف إلى اليمن، فكلما زادت رقعة تحالفات تركيا، اهتزت عروش الأذناب، فما ظهرت تلك العروش إلا بإسقاط دولة الخلافة وتفكك وحدة المسلمين، والعودة يعني نهايتهم.

ربما تكون ليبيا ليست كلمة الفصل فقط في مصير الثورات العربية، ولكن ربما ستكون كلمة الفصل لما هو أكبر.

فدائمًا ما كان الموت يأتينا من الغرب الأوروبي الطامع بمقدراتنا ليقتل حريتنا، ولكن يبدو هذه المرة أن الموت الآتي من الغرب العربي سيقتل الطغاة ليعطي الشعوب حريتها.

فهنا شعب يجاهد، بجانب إمبراطورية تنهض، وستجيبنا الأيام الآتية ماذا سيفعل تحالف أحفاد المختار وأحفاد عثمان؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الغرب, الموت
عرض التعليقات
تحميل المزيد