سنة 2018 لم تكن مجرد عام عابر على التونسيين كغيره، بل هي سنة الموت، موت المواطنين على يد حكامهم، ولئن تراوحت أشكاله بين الدّهس والغرق والقتل، فإن نتيجته واحدة، وهي استباحة دم التونسيين ظلمًا مقابل تبجح الجناة بالإفلات من العقاب.

شهدت البلاد حالة احتقان كبرى وموجة عارمة من الاحتجاجات عقب التصويت على قانون المالية لسنة 2018، يوم الثامن من شهر يناير (كانون الثاني) خرج المواطن خميس اليفرني إلى شوارع مدينة طبربة للاحتجاج على غلاء الأسعار، وتدهور القدرة الشرائية للمواطن، لم يخطر بباله أنه سيعود إلى منزله محمّلًا على الأكتاف. خميس ليفرني تعرض إلى عملية دهس بسيارة أمنية أثناء احتجاجات ليلية بنفس اليوم، ورغم توجه أصابع الاتهام إلى الوحدات الأمنية بدليل وجود شهود عيان وصور توثق الحادثة، إلا أن وزارة الداخلية تنكرت للتهم المنسوبة إليها على لسان ناطقها الرسمي آنذاك خليفة الشيباني الذي صرح أن سبب الوفاة مرّده مرض مزمن يعاني منه الضحية؛ وهو ما أدى إلى وفاته، معلّلا ذلك بأن الطب الشرعي أكد أنه لا وجود لآثار عنف على جسده. بضعة أيام فقط كانت كفيلة بأن توصد أبواب الداخلية على حادثة دهس خميس اليفرني، وتغلق أقفال القضاء على ملفه الذي بقي إلى حد كتابة هذه الأسطر طيّ النسيان والكتمان.

الواحد والثلاثون من شهر مارس (آذار) من نفس السنة، تاريخ لم يمح أبدًا من ذاكرة مشجعي فريق كرة القدم النادي الأفريقي خاصة، ومن ذاكرة التونسيين عامة، تاريخ حادثة مأساوية راح ضحيتها الشاب عمر العبيدي الذي توّجه يومها إلى ملعب رادس لتشجيع فريقه، ولكن المباراة تحولت إلى مواجهات بين الجماهير وتبادل العنف مع الوحدات الأمنية التي أخذت في مطاردة المشجعين نحو وادي مليان برادس. عمر من بين الفارين باتجاه الوادي، ورغم دخوله في مفاوضات مع أعوان الشرطة بشأن تسليم نفسه، إلا أنهم أجبروه على إلقاء نفسه في الوادي غير آبهين بمحاولات إصراره وإلحاحه عليهم أنه لا يتقن السباحة. ظل عمر وحيدًا يصارع الموت متشبثًا بآخر حق تبقى له، ألا وهو الحياة، لكن جلادي الدولة سلبوها في غفلة منه. تبعت وفاة الشاب عمر العبيدي موجة من الاحتجاجات المنادية بمعاقبة كل من ثبت تورطه في مقتله، كما أطلق على شبكة التواصل الاجتماعي الفيسبوك هاشتاج (تعلم عوم) كناية عن سبب وفاته. كعادتها وزارة الداخلية جهزت لنفسها بطاقة تبرئة ونفت في تصريحات لها عملية المطاردة وبرأت أعوانها من عملية القتل.

شبح الموت يخيم مرة أخرى، لكن فوق سماء منطقة سيدي حسين يوم الواحد والعشرين من شهر أكتوبر، عندما داهم أعوان الديوانة مخزنًا معدًا للسلع المهربة؛ مما أدى إلى اندلاع مواجهات بين أهالي المنطقة وأعوان الديوانة الذين عمدوا إلى استعمال الرصاص الحي لتفريق الأهالي. أيمن العثماني حضر إلى مكان المواجهات لتقصي الأمر بعد سماعه صوت طلقات نارية، لكن رصاصة غادرة من أعوان الديوانة أصابته في الظهر لترديه قتيلًا، تضاربت أقوال الإدارة العامة للديوانة آنذاك، وحاولت نفي تهمة القتل العمد عنها مدعيّة في بيان لها أن المعتدي سقط وحده أرضًا وتجمع الناس حوله حال دون التمكن من معرفة سبب وفاته، ظلت الإدارة العامة متمسكة بأقوالها رغم وجود آثار الرصاصة وشهود عيان ومقاطع فيديو تثبت عملية القتل العمد. لم يتوقف خرق القانون عند هذا الحد، بل قررت المحكمة إبقاء الأعوان المتهمين بمقتل الشاب في حالة سراح دون استكمال الأبحاث وتطبيق العقوبات اللازمة عليهم.

بان الآن بالكاشف أن من سهلّ لهم الشعب اعتلاء عرش السلطة بقول نعم في الانتخابات هم السبب في ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وفساد أجهزة الدولة وارتهانها لصندوق النقد الدولي، وأن نعم هي السبب في إراقة دمائه فحان الوقت أن يراجع الشعب أوراقه ويعيد ترتيب حساباته، لاسيما مع ظهور حركات احتجاجية جديدة عقب انتحار المصور الصحفي نتيجة ظروفه الاجتماعية الصعبة، ولكن يبقى الخوف من طمس هذه التحركات الاحتجاجية بعملية إرهابية أو ما شابه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد