تحدثت إليكم في الجزء الأول من هذه المقالة شتات الروح بين الموت والحياة عن جانب فينا يسعى للحياة بكل ما يمتلك من قوة و معرفة ويصبو إلى اغتنامها واستغلالها على الوجه الأمثل .وكنت وعدتكم بأن أتحدث عن الجانب الآخر فينا نحن البشر وهو جانب يصبو إلى ما بعد هذه الحياة إلى الخلود الأبدي، إلى السعادة الحقيقة إلي ما وراء المحسوس إلي عالم الغيبيات وما وراء هذه الدنيا إلي ما بعد الموت .

 

لأصدُقكَ القول نحن لسنا خالدين فيه هذه الحياة، أبداً فمن منا لايعلم أنه مهما طال بنا العمر وامتدت بنا الأيام فالنهاية حتما واحدة لكل أهل الأرض، هي الموت . ولكن دعني أخبرك أمراً فلا داعي للفزع لأنه لن يغير من الأمر شيئا، ولن يساهم إلا في جعل حياتك بائسة. فأي حياة تلك التي تقضيها في انتظار قد يطول إلي عشرات السنين فقط لأنك تعلم النهاية. صدقني الموت ليس بهذا السوء سوف ترى كيف أننا نتمني الموت بحب في كثير من الأحيان تكون فيها الحياة قد فعلت فينا الأفاعيل. ولذلك دعني أستعرض معك فلسفة الموت كما تحدثنا عن فلسفة الحياة في الجزء الأول من هذه المقالة

.
ما الدنيا إلا رحم لعالم أوسع :

منذ صغرنا ونحن نتدرج من ضيق إلي أوسع فعندما كنا أجنة في بطون أُمهاتنا كانت أرحامهم شديدة الضيق، لكنها كانت كل ما نحتاج إليه تماما في ذلك الوقت، وكانت هي الرحم التي منها خرجنا إلى هذه الدنيا الواسعة الممتدة إلي ملايين ملايين السنوات الضوئية. حسنا لو فرضنا أننا نستطيع القياس على الفرق بين رحم الأم والذي كان في وقت ما هو كل الدنيا بالنسبة لنا وخرجنا منه إلي هذه الحياة .

تخيل معي كيف ستكون الحياة الآخرة إذا لم تكن الدنيا كلها، إلا رحم فقط للخروج إليها . حسنا أنا عاجز عن التفكير فأنا في الأصل أعجز عن استيعاب هذه الحياة كيف بما ورائها من برزخ وحياة أُخرى بعد الموت.

 

ومن جهة أُخر حين كنا أجنة أيضا كنا أحياء موجودين أليس كذلك حسنا، ولكننا كنا نتمتع بجهاز تنفسي كامل غير أننا لم نستخدمه للحظة واحدة في هذه الحياة الجنينة، بل على العكس لو استخدمناه لهلكنا، والأعجب أننا حين أتينا إلي هذه الدنيا اضطُررنا إلي إستخدامه في أول لحظات حياتنا ولو لم نستخدمه لهلكنا من فورنا.

 

ما المغزى من هذا الكلام ؟

حسنا دعني أُخبرك أن هناك شطراً من روحنا قطعا لا ينتمي إلي هذه الحياة وهو الذي يدفعنا دوما للتفكير في الموت وما بعد الموت. إنه ينتمي إلي الحياة الأُخرى إنه يطوقُ إلي الخلود الأبدي إلي الحُرية الانهائية إلي الملكوت الواسع والحقيقة الكاملة إلي الحياة الحقيقة نفسها .

ألا تَحلُمْ بموطنك:

مولانا جلال الدين الرومي كان يقول “لكي ينام الفيل مطمئناً عليه أن تراوده أحلامٌ بأرض الهند لأن أصله من أرض الهند، ولكنه اغترب عنها فدائماً تعروه في أحلامه “. أما نحن فما الذي يعترينا دائما في أحلامنا؟ ألسنا نحلم بأرض الغيب، بالبرزخ ، بالجنة والنار، بما بعد هذه الحياة ، بالخلود! غستاف يونج يسأل في سيرته الذاتية ” أهم سؤال يواجه الإنسان وعليه أن يَجِدَّ في جوابه هو، هل أنا متصل في حياتي باللامحدود – يعني الحياة الانهائية الخالدة – أم منفصل عنه ؟
ويُجِيب أنه إذا أدرك الإنسان أن هذا اللامحدود هو الأهم ينتفي كل مظهر للعبثية في تفكيره وتصبح حياته هادفه “.
الموتُ يحررنا :

يقول الفيلسوف العارف ” منذ نزلت جوهرة الروح األتصقت بصدفة البدن كان الإنسان الذي صاغه الله من ماء الحياة، وبعد أن تكاملت جوهرة الوجود طارت مخلفة الصدفة ورائها لتقتعد مكانها في درة تاج الملك “. يا الله ما أجمل هذى المعنى وأروعه ما قرأت أروع من هذه الكلمات تعبر عن عتق الموت، وتحريره لنا. فقط إذا تغيرت نظرتنا للموت لتصبح بهذه الروعة فإننا حتما نتصالح مع الموت مع الرحيل من ضيق الدنيا إلي سعة الآخرة، فنحن أمضينا حياتنا نرحل، فما الشباب إلا موت الطفولة ، وما الكهولة إلا موت الشباب.

 
وفي الختام، أقتبس هذه الكلمات الرائعة من الشيخ سلمان العودة: ” يمكنك الآن أن تتصالح مع الرحيل مع الموت صافحه لا تجعل منه شبحا مُطارداً لك. حين أرحل أتمنى أن أكون رتبت أولوياتي بشكل مختلف ، حين أرحل أتمنى أن أكون قُلت الكلمة الأخيرة “.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد