إنني أستمد ما أكتب من الحياة كما عرفتها، أكثر مما أبني مسرحيات من الخيال الدرامي. آرثر ميلر.

ولد آرثر ميلر في حي فقير يدعى (هارلم) بمانهاتن – نيويورك عام 1915 في ظل حالة الاضطرابات أثناء الحرب العالمية الأولى، لعائلة بولندية من أصل يهودي خسرت معظم ما تملكه في الإفلاس الكبير لبورصة وول ستريت في عام 1929، فنشأ في ظروف صعبة اضطر فيها أن يتقلب في العديد من الأعمال الشاقة منذ راهق البلوغ.

ومن المفارقات التي تدل على موهبته الأدبية التي لم يعمل على اكتسابها منذ نعومة أظفاره، فبجانب الظروف الاقتصادية الصعبة التي نشأ فيها؛ يعترف ميلر أنه لم يقرأ كتابًا أدبيًّا دسمًا حتى السابعة عشر من عمره، فقد كانت تستهويه كرة القدم والهوكي أكثر من القراءة.

تغيّرت حياة هذا الشاب الصغير عندما اطلع على رائعة ديستويفسكي الشهيرة (الأخوة كارامازوف) التي تركت فيه أعظم الأثر وحفزته للكتابة، ليقرر بعدها أن يلتحق بجامعة (ميشيجان) لدراسة الاقتصاد والتاريخ، ليس من أجل أنه يريد فعلًا دراسة الاقتصاد والتاريخ؛ بل الأمر أنه سمع أن هذه الكلية تمنح جوائز مالية قيمة للموهوبين في الكتابة. وبالفعل، فاز في عامه الأول بجائزة مقدارها 250 دولارًا بسبب كتابته لأولى مسرحياته، كتب يقول عن هذه الجائزة: «في أول عام فزت بجائزة (آفري هوبرد) للدراما، بمسرحيتي الأولى، التي لا تستحق الذكر، لأنها كُتبت في أربعة أيام، خلال عطلة الربيع، وإذ لم أكن قد شهدت في طفولتي سوى مسرحيتين، ولم أكن أذكر منهما شيئًا».

عاصر ميلر (الحقبة المكارثية) في أمريكا وقت الحرب الباردة، والمكارثية تنسب إلى (جوزيف مكارثي) نائب الكونجرس الأمريكي بين عامي 1947 – 1957، كان مكارثي يوجه الاتهامات العشوائية إلى كل من يبدي تعاطفًا ولو ضئيلًا للاشتراكية، وحيث إن آرثر كانت لديه ميول اشتراكية؛ فقد تم مضايقته شأنه شأن الكثير من المثقفين وقتها.

وفاة بائع متجول Death of a Salesman

ويلي لومان Willy Loman هو الشخصية الرئيسة بتلك المسرحية التي تتكون من فصلين، وهو رجل في الستين من عمره يعمل كبائع متجول ويسكن مدينة نيويورك في العام 1940، يعيش مع زوجته ليندا Linda في نفس المنزل منذ خمسة وعشرين عامًا، كان المنزل في السابق غير محاط بالكثير من المنازل، وهو الآن محاطًا بالكثير من البنايات، الأمر الذي بدأ يُشعر لومان بالضيق وعدم الارتياح.

بمرور الوقت، نتبين أن ويلي أصبح يعاني من اضطرابات في التركيز أثناء القيادة، فقد أصبح كثيرًا ما يكسر إشارة المرور، بالإضافة إلى ما لاحظته زوجته ليندا من تحدثه الدائم مع نفسه حيث بدأ يعتليها القلق.

بعدها نكتشف أن ويلي قد تم استبعاده من عمله بسبب مشاكله المستمرة أثناء القيادة، ومع سير الأحداث نعرف أن لومان مهموم بسبب ولديه اللذين لا يسيران على النهج الذي تمنى دومًا أن يسيرا فيه في عالم الأعمال، فابنه الأصغر هابي Happy لديه عمل ويعيش في شقته الخاصة؛ بينما ابنه الأكبر بيف Biff يتنقل من عمل لآخر كعامل مزرعة، من دون أن يدخر المال الكافي من أجل مستقبله.

بعد تعرضه للمزيد من الضغط، أصبح الأب كثير الهذيان والهلوسة، السمة البارزة في تلك المسرحية، والتي يتخيل فيها دومًا حياته القديمة متحدثًا مع أشخاص لا وجود لهم، منها تحدثه مع أخيه الثري المتوفى بين Ben حيث كان يسأله عن كيفية صناعته لثروته، وقد كان يعمل في مناجم الذهب في أفريقيا، يستمر في التحدث مع أخيه المُتَخيل الذي كان يريد أن يسمع منه أنه فخور به وبأولاده.

في إحدى الهلوسات الأخرى التي تفصله عن الواقع وتُحيله إلى الماضي، كان ويلي يرى أبنه بيف في مراهقته حينما كان نجمًا في فريق الكرة بالمدرسة، حين كان يرى مستقبلًا مشرقًا له، الأمر الذي لم يتحقق بالطبع.

نستكشف أيضًا أن لومان شخص شديد الكبرياء، وهو حين يرى صديقه وجاره تشارلي Charley استطاع أن يحقق ثروة ويؤسس شركة فإنه يغار منه، ويرفض أن يعمل عنده بأجر طيب عرضه عليه في الوقت الذي فُصل فيه من عمله تمامًا؛ وذلك ليس إلا بسبب كبريائه وشعوره بالغيرة من تشارلي الذي بدأ معه صغيرًا في العمل، ولكنه نجح بعد ذلك وصار على قدر طيب من الثراء.

بمرور الأحداث، تتفاقم حالة ويلي حتى يصل به الأمر إلى حد محاولته الانتحار، الأمر الذي يدفع الابنان إلى التفكير في المكوث إلى جانب المنزل، وأن يبدآ مشروعًا تجاريًّا مع بعضهما البعض. وبهذا ينتهي الفصل الأول.

في بداية الفصل الثاني نرى ويلي وزوجته على غير العادة يملئهما الأمل، الذي منبعه من أن ويلي سيتحدث مع مديره في العمل من أجل ترقيته، أيضًا بسبب الشراكة المحتملة التي ستحدث بين هابي وبيف.

لكن الأمور لا تسير على ما يرام، فقد رفض مديره في العمل أن يلتحق بالوظيفة التي يتمنها، وأيضًا فشل بيف في الحصول على المال الكافي من أجل إتمام مشروعه مع أخيه.

في النهاية، يقرر لومان بعد سلسلة الخيبات تلك أن ينتحر، على أمل أن ينجح مبلغ التأمين على حياته وقدره خمسة وعشرون ألف دولار أن يساعد عائلته بعد موته.

في هذه المسرحية، نرى بوضوح هذه الواقعية التي تمثل حياة المجتمع الأمريكي في منتصف القرن العشرين، فالأسرة أسرة عادية تتطلع لمستقبل أفضل على المستوى المادي، ولكن الذي يضفي على هذه المسرحية عمقًا نفسيًّا هي تلك الهلوسات التي كان يتعرض لها ويلي لومان، والتي كان من خلالها يفرّج لنا عن مكنوناته الداخلية، فهو مثلًا يغار من جاره الغني تشارلي، مما يدفعه إلى تخيل أخيه المتوفى الذي رفض العمل معه في الماضي. ينظر إلى واقعه فيجد ابنه بيف فاشلًا، فيعود مسرعًا إلى الماضي حينما كان يعتقد أن ابنه ذو ذكاء كبير يتميز به عن أقرانه.

تُظهر هذه المسرحية كيف أن التصورات الخاطئة عن أنفسنا والآخرين يمكن أن تؤدي إلى تدميرنا. إذا كانت الحياة مبنية على كذبة، فإن الحقيقة في النهاية قد تكون أكثر من أن تحتمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد