ثلاث سنوات فصلت بين لحظة كُتبت فيها شهادة وفاة إمبراطورية عظيمة سادت العالم عدة قرون ثم انزوت وأفل نجمها، ولحظة شهدت ميلاد الحلم في إعادة إحياء بعض من أمجاد هذه الإمبراطورية الزائلة. لحظة حملت يأس النهايات وأخرى جاءت بنسمات الأمل.

 
التاسع والعشرون من أكتوبر، يعتبر هذا اليوم يومًا بارزًا في تاريخ تركيا، بل هو اليوم الذي شهد ميلاد تركيا نفسها. جاء عام 1923 ليحمل معه حكمًا بإعدام دولة العثمانيين رسميًّا بعد سنوات عديدة من موتها إكلينيكيًّا منذ جاء الاتحاديون إلى الحكم وذهب عبد الحميد. جاء أتاتورك منتشيًا بانتصاراته في حروب التحرير مدعومًا بهتافات الجماهير، تلك الجماهير التي عاصرت انتكاسات عديدة، منذ خسائر البلقان ومرورًا بفقدان ليبيا ثم الهزيمة في الحرب العالمية الأولى وانتهاء باحتلال اسطنبول نفسها، فتاقت لمنقذ أسطوري يمحو آثار تلك الهزائم ويعيد مجد الأجداد حتى وإن تخلص من هؤلاء الأجداد.

هكذا، وبعد جلاء الحلفاء عن إسطنبول في السادس من أكتوبر، لم يلبث مصطفى كمال أن أعلن قيام الجمهورية التركية بعد عام من إلغاء منصب السلطان (نوفمبر 1922) والاكتفاء بلقب الخليفة، تذرع أتاتورك بالكوارث التي حلت بالبلاد على مدار عقد كامل من الزمان وألصق التهمة ببني عثمان ثم أصدر حكمه وتُوج أول رئيس للجمهورية الوليدة. لكن الخلافة بقيت كابوسًا يزعجه ويقض مضجعه حتى استطاع البرلمان بعدها بأربعة أشهر أن يعلن إلغاء الخلافة ونفي الخليفة عبد المجيد وعائلته بعيدًا عن أراضي الأجداد.

بقي أتاتورك في سدة الحكم لعقد ونصف حتى وفاته في عام 1938، خمسة عشر عامًا استطاع فيها أن يقضي على تاريخ عمره ستة قرون، استطاع أن يمحو كل أثر إسلامي بقي من إرث العثمانيين ويستبدل به صبغة علمانية تدثرت بدعاوى التحضر والتمدن. لم يمضِ أكثر من عام على وصول أتاتورك لمنصبه حتى بدأ حملته للتخلص من كل ما ادعى أنه يربط تركيا بماضيها المنهزم بزعمه. كان الطربوش أول ضحايا هذه المذبحة، رحل لتحل محله القبعة، ثم أغلقت الأبنية الدينية. وجاء نوفمبر 1928 لتختفي الأبجدية العربية من حياة الأتراك وتظهر بدلًا منها حروف جديدة في خطوة هدفت إلى اجتثاث الأتراك تمامًا من تاريخهم العثماني.

 

 

 
رحل أتاتورك بعد أن أسس لعلمانية الدولة التي طالما حملت مشعل الخلافة الإسلامية على مدار أربعة قرون، وجاء رفيق دربه عصمت إينونو ليسير على نهجه ويقتفي أثره. عقد آخر من عمر الجمهورية ولاتزال تركيا تداعب المدنية الأوروبية وتبتعد عن العالم الإسلامي، حتى جاء مندريس حاملا معه بوادر انفتاح ومرونة افتقدتها البلاد منذ جاء أتاتورك. أعاد مندريس بعض الشعائر الدينية وتردد صوت الأذان مرة أخرى في سماء إسطنبول، هذه المدينة التي ظلت عاصمة للعالم أكثر من ألف عام إلى أن جاء مصطفى كمال وسلبها هذا اللقب وجعل من أنقرة عاصمة له.

كانت الجمهورية على موعد مع أول انقلاب عسكري في تاريخها في مايو 1960، قاد جمال جورسيل الجيش للانقلاب على مندريس وإعدامه وتولي مقاليد السلطة حماية لمبادئ الجمهورية كما أعلن في بيان الانقلاب الأول. اضطربت البلاد وزاد القمع وبدا أن البلاد قد دخلت في دوامة لا فكاك منها توالت فيها الانقلابات العسكرية (1971 و 1980). في هذه الأثناء كان الفارس أربكان يشق طريقه بثبات وطموح.

شهدت مدينة كولونيا الألمانية بداية أربكان العملية بعد إتمامه لدراسة الدكتوراه عام 1956، بينما استأنف حياته السياسية – التي بدأها بعد تخرجه من كلية الهندسة – بعد عودته إلى تركيا حيث أسس أول أحزابه “حزب النظام الوطني” عام 1970 والذي كان أول حزب ذا مرجعية إسلامية، هذا الحزب الذي ورد في بيانه التأسيسي: “إن أمتنا العظيمة هي امتداد لأولئك الفاتحين الذين قهروا الجيوش الصليبية قبل ألف سنة، والذين فتحوا إسطنبول قبل 500 سنة، أولئك الذين قرعوا أبواب فيينا قبل 400 سنة، وخاضوا حرب الاستقلال قبل خمسين سنة.. هذه الأمة العريقة تحاول اليوم أن تنهض من كبوتها تجدد عهدها وقوتها مع حزبها الأصيل (النظام الوطني) الذي سيعيد لأمتنا مجدها التليد، الأمة التي تملك رصيدًا هائلاً من الأخلاق والفضائل يضاف إلى رصيدها التاريخي، وإلى رصيدها الذي يمثل الحاضر المتمثل في الشباب الواعي المؤمن بقضيته وقضية وطنه”.

لكن رحلة أربكان في مواجهة غضب السلطة بدأت بعد تسعة أشهر فقط من تأسيس حزبه حين تم حل الحزب من قبل المحكمة الدستورية. لم ييأس أربكان وقام بتأسيس حزب السلامة الوطني بعدها بعامين لينتظر عامين آخرين قبل أن يفوز بخمسين مقعد في البرلمان ويشارك في حكومة بولنت أجاويد الائتلافية. ظهرت ميول أربكان الإسلامية جلية خلال هذه الفترة من خلال مساندته للقضية الفلسطينية ومعاداته لإسرائيل، لكن هذه الميول دفعت الجنرال أفرين كنعان قائد الانقلاب العسكري الثالث (1980) للزج بالفارس الإسلامي في سجونه لثلاث سنوات.

في عام 1997 عاد أربكان رئيسًا للحكومة هذه المرة عن طريق حزبه الجديد “الرفاه”، وقد بذل جهودًا بارزة في مجال التقارب مع العالم الإسلامي وقضاياه، فكان أن هب الجيش مرة رابعة ملوحًا براية الانقلاب في وجه أربكان بعد عام واحد من توليه لرئاسة الحكومة، ليضطر أربكان لتقديم استقالته حماية للبلاد من انقلاب عسكري جديد. لكن هذه الاستقالة لم تشفع له فكان أن حُظر حزب الرفاه وحوكم أربكان بتهمة انتهاك مواثيق علمانية الدولة ومُنع من ممارسة النشاط السياسي لمدة خمس سنوات.

لم يرضخ أربكان لقرار الابتعاد عن السياسة فأسس حزب الفضيلة وأسند إدارته لأحد معاونيه لكن الحزب لقي مصير أسلافه وتم حظره، وجاء حزب السعادة ليُنهي حياة نجم الدين أربكان السياسية، ذلك الحزب الذي أعاد أربكان للسجن مرة أخرى لمدة سنتين خرج بعدها الفارس ليقضي أيامه الباقية متأملا في صمت تلميذه أردوغان وهو يخطو خطوات تبدو أكثر نجاحًا من خطوات معلمه .. ذلك المعلم الذي لقي ربه عام 2011 بعد عمر طويل قضاه في خدمة مبادئه الإسلامية محاولًا أن يوازن بين مبادئ الجمهورية التي أعلنها أتاتورك ومرجعيته الدينية التي طالما دافع عنها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد