رحلت عن عالمنا منظمة التعاون الإسلامي وأحسن الله لنا فيها العزاء

قديمًا قال أحد كبار الفلاسفة لأحد تلامذته: «تكلم حتى أراك»؛ أي لأعرف من أنت وفيم تفكر، وأين تقف وماذا ستفعل؟ هل ما زلت على قيد الحياة، أم أنك حي ميت؟ إلى غير ذلك من التساؤلات التي يثيرها قول الفيلسوف الكبير لتلميذه. ظللت أترقب أي موقف جاد لمنظمة التعاون الإسلامي، أو حتى لهيئها الدائمة المستقلة! لحقوق الإنسان إزاء عمليات الاضطهاد المنظم للأويغور والقازاق والقرغيز وسائر الأقليات المسلمة في منطقة شينجيانج ذاتية الحكم في شمال غرب الصين -تركستان الشرقية- بالأخص في عام 2018، الذي افتضحت فيه عمليات القمع الممنهج للمسلمين هناك عبر معسكرات الاعتقال الجماعي، التي تسميها الصين معسكرات إعادة التأهيل، واحتجزت بها ما يزيد على المليون مسلم، بحسب الأمم المتحدة.

في خلفية سريعة لموقف المنظمة؛ عقب أحداث 5 يوليو (تموز) 2009 الدامية في المنطقة، زار وفد من المنظمة وأمينها العام المنطقة، وأسفر الأمر عن بيان هزيل وإشادة بالعلاقات بين الصين والعالم الإسلامي، في 14 أغسطس (آب) 2013، أعربت المنظمة عن قلقها إزاء إصدار حكم بالأعدام على اثنين من الأويغور، مع الإشارة إلى العلاقات الوثيقة بين الصين والمنظمة، وحثت المنظمة – بأدب جم- الصين على احترام رغبة السكان الأصليين في التعبير عن هويتهم الدينية والثقافية والعرقية دون قيود. في 27 مايو (أيار) 2014، وعقب حادث تفجير في أورومجي، أدانت المنظمة الإرهاب – الأويغوري بالطبع– داعية إلى البحث في دوافع هذه العمليات وجذورها. في 22 أبريل (نيسان) 2015، زار وفد من المنظمة الصين لإجراء مشاورات مستفيضة حول أوضاع المسلمين في الصين، وزار الوفد مدينة كاشغر ومسجد والمعرض الدائم لمكافحة الإرهاب – الصيني أم الأويغورى لا ندري– في إدارة الأمن العام بأورومجي. في 25 يونيو (حزيران) 2015، أبدت المنظمة القلق حول ما تتعرض له الأقلية المسلمة في الصين على خلفية ما تناقلته وسائل الإعلام والمنظمات الدولية من دلائل تشير إلى حدوث انتهاكات لحقوق الأقلية المسلمة في إقليم شينجيانج، وكانت المسألة حول صيام رمضان. في 17 سبتمبر (أيلول) 2016، شاركت المنظمة في المنتدى الإعلامى بأورومجي غازل فيه الطرفان بعضهما بعضًا، في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، هنأت بكين السيد العثيمين على توليه أمانة المنظمة. وهكذا تجري سياسة المنظمة مع الصين نقد لطيف، وغزل عفيف.

وفى عام الفضيحة المرير زار وفد من مركز شينجيانج للثقافة والاتصال المنظمة في 9 مايو 2018م، اطلع الوفد على سياسات المنظمة السياسية والثقافية، بينما قدم الوفد عرضًا تناول سياسات الحكومة الصينية وبرامجها الهادفة لتعزيز أحوال المجموعات العرقية المختلفة، وتحسين ظروفها، ولا سيما الأويغور والمجتمعات المسلمة الأخرى في الصين، وقد اتفق الجانبان على توسيع مجالات التعاون مع مختلف المؤسسات الصينية، وعلى عقد جولة جديدة من المشاورات الثنائية. ونسأل الله السلامة من مشاوراتكم، ويسأل السفير عبد الله عالم مساعد الأمين العام عما جرى وعن القادم! في 24 نوفمبر 2018، استأسدت المنظمة وأدانت بأشد العبارات الهجوم الذي استهدف قنصلية الصين في مدينة كراتشى وبلدة كلايا في باكستان، وطالب الأمين العام السلطات الباكستانية باتخاذ التدابير اللازمة لضبط المتورطين في الهجومين وتقديمهما للعدالة، وأعرب الأمين العام عن خالص تعازيه وتعاطفه مع عائلات القتلى، متمنيًا الشفاء العاجل للمصابين، ونحن أيضًا، ونتمنى أن يمتد هذا الحماس والحنان إلى آلاف الضحايا الأويغور.

بينما الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان بالمنظمة، والمنوط بها كما تدعي حماية حقوق الإنسان في العالم الإسلامي وما بعده، لم تنبس ببنت شفة حول اضطهاد الأويغور، حتى في آخر دوراتها فى 6 ديسمبر (كانون الأول) 2018 بجدة، دار كلام حول «تعزيز وحماية حقوق اللاجئين والمشردين التزام إسلامى ودولي في مجال حقوق الإنسان» ولا يوجد في وثائقها ما يدل على أي اهتمام جدي بالموضوع. ومن ثم لا ندري ما دور الهيئة وما مكانتها بين المنظمات الدولية العاملة في هذا المجال؟!

وقد اختتمت منظمة التعاون الإسلامي عام 2018 بدراسة قوية أجملت الوضع المأساوي للمسلمين الأويغور، وغيرهم من الأعراق التركية في المنطقة، في ست كلمات أعتقد أنها سطرت بدقتها وأمانتها وبراعتها في تملق الصين شهادة وفاة لمنظمة لا تملك من أمرها شيئًا.

في دراستها الصادرة في 27 ديسمبر 2018 بعنوان «دراسة مسحية لمنظمة التعاون الإسلامي بشأن المجتمعات المسلمة في أرجاء العالم» والتي تذكر تعداد المسلمين في البلدان التي يوجدون فيها، وتنوه عن أحوالهم باختصار وتلقي الضوء على وضعهم ومكانتهم في كل بلد من بلدان العالم، وعلى سبيل المثال: كمبوديا الدولة الآسيوية تعداد المسلمين فيها 30319 نسمة، بنسبة 3.5% من إجمالي السكان، وهم يحظون باحترام كبير، وتعترف الحكومة بالإسلام، ويملك المسلمون الحرية المطلقة لممارسة شعائرهم، ويسمح لهم بوضع رموزهم الدينية (حجاب، قبعات ولحى) في المدارس والمؤسسات الحكومية، ويوجد لدى الدولة وزير للشؤون الإسلامية، ومجلس أعلى للشؤون الإسلامية، ومفتٍ أكبر لكمبوديا.

كما ذكرت الدراسة ميانمار وتعداد المسلمين بها، ومسلمى الروهينجا بإقليم أراكان، وما تعرضوا له من اضطهاد بشع وعمليات تهجير. وقس على تلك التفاصيل مسار الدراسة.

وحين أتت الدراسة على الصين قالت: السكان المسلمون 24.7 مليون قرابة 1.6% من إجمالي سكان الصين، إذ يبلغ عددهم نحو 22 مليونًا! وينتشرون في كافة أقاليم الصين، إلا أن أعلى نسبة تتركز في المناطق الشمالية الغربية في تشينجيانج – المقصود شينجيانج أي تركستان الشرقية– ومن بين 55 جماعة أقلية هناك 10 جماعات مسلمة، ويعد الهيوى – يقصد الهوى– أكبر مجموعة عرقية، وتتركز على نطاق واسع في إقليم نينتشيا – يقصد نينغيشيا– الذي يتمتع بالحكم الذاتي في غرب الصين، أما جماعة الويغور – الاسم كما ينطقه الصينيون والصحيح الأويغور– التركية التي تعيش بشكل رئيسي في إقليم تشينغيانج في شمال غرب الصين، فهي في غالبيتها العظمى تدين بالإسلام، حيث يعيش ما يقرب من 10 ملايين ويغوري في هذا الإقليم، أي ما يعادل نحو نصف سكانه «ويدير المسؤولون الرسميون النشاط الديني لتشينغيانج».

القوسان من عندي، فما بينهما هو كل ما ذكرته الدراسة المنظمة عن مأساة الأويغور وتركستان الشرقية، تلك المنظمة المنوط بها كما قالت في مقدمة الدراسة «مهمة معالجة التحديات التي يواجهها المسلمون في العالم عبر الوسائل السلمية والسياسة، وأنها المناصر الرئيسي لقضايا مليار و800 مليون مسلم، وينيط ميثاق المنظمة مهمة الدفاع عن هذه الأقليات والذود عن حقوقها المدنية والثقافية والسياسية».

تقولون ما لا تفعلون، ففي حين يمتلئ العالم بالكتابات، والاحتجاجات، والإدانات، والتقارير الحقوقية والدولية التي ترصد الانتهاكات واسعة النطاق لكافة الحقوق والحريات الدينية، والثقافية، والسياسية للأويغور، وسائر الأعراق التركية المسلمة في الصين تصمتون، ألم تسمعوا شيئًا عن معسكرات الاعتقال الجماعي لما يزيد على المليون من المسلمين في شينجيانج؟ أفي ظل الصخب الدولي على هذا الأمر وتلك الانتهاكات تكتفي دراسة المنظمة حارس الأقليات المسلمة بست كلمات لا تدل على أي شيء مطلقًا عن مأساة الأويغور وغيرهم من مسلمي الإقليم المنكوب «ويدير المسؤولون الرسميون النشاط الدينى لتشينغيانج» من أسكتكم وألقمكم الحجارة أو غير الحجارة؟!

تذكرني الدراسة بلجنة تقصي الحقائق التي زارت الإقليم عقب أحداث 5 يوليو 2009، والتي فاحت منها روائح كريهة، ولم تسفر عن شيء، بل ربما أعطت الضوء الأخضر لما يحدث الآن في الإقليم! هل للصين مندوب في المنظمة هو من صاغ المكتوب عن المسلمين في الصين؟ أم هل طبع في الصين وعلى نفقتها فزورته؟ احترموا عقولنا ومشاعرنا فنحن المسلمون من ندفع تكاليف مرتباتكم الضخمة، ورحلاتكم الممتعة، وليست الصين، ألا تخشون الله على تقصيركم؟ فهو من سيحاسبكم على صمتكم المخزي وليس الرئيس الصيني وسائر رؤسائكم يوم الحساب، عودوا إلى رشدكم وراجعوا أنفسكم واذكروا الحقائق التي يعلمها العالم بأسره عن الاضطهاد البشع الذي يتعرض له شعب الأويغور، وكل أتراك الإقليم، أو استقيلوا إعذارًا إلى الله لعجزكم عن الكلام؛ فالساكت عن الحق شيطان أخرس وشريك في الجريمة بصمته المريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد