حين ركِب الجميع أخرتُ خُطاي نحو ذلِك البِساط الخشبي الذيْ يبدو وهو يتمايل علّى الماء مشية عجوزٍ هرِم، لا يملِكُ الحق لِحملِ نفسِه حتّى يحمِلُنا هكذا كمّا الهواء يحمِل الغُبار، مَدَدْتُ قدمي بِحذر وأنا أبحثُ لَهُ عَنْ مكان بين أقدام الآخرين، دعستُ مِرارًا علّى أقدامهم وأنا أحاوِلُ جاهِدًا أن أثبِت جسّدي الَّذِي أرتعِش مَع كُلِ طقطقةٍ أو صرخةٍ مجهولةِ المصدر؛ مضينا ونحنُ نتقاسم أنفاسنّا الساخِنة في ذلِك الجو البارِد، ونراقِب وجوهنا بِحذر كالذِئاب الجائِعة، لا أعلم لماذا نظرتُ إلى خلفي في ذلك الازدحام كالّذِي يودِعُ شيئًا ما سيفتقِدُه أو أن الفِطرة دفعتني لِذلك، فالمُسافِر لا بُد مِنهُ أن ينظُر نظرة وداع، حتى ولو أنهُ علّى طريق الموّت.

مضت بِنّا السّفينة إلى دربٍ لا معالِم له غير الماء، هُنا بدأ كُل شيء يتغير، الوجوه أصبحت أكثر خوفًا، والأنفاس أكثر سخونةً، أصبحنا نشعُر بأن ثمة حوتًا كبيرًا سيلتهِمُنا في أي لحظةٍ، بات الجميع ينظرون إلى الماء وكأنهم يبحثون عَنْ أجسادِهم المُتفسِخة قبل الغرق، أو يترجون الماء بأعينهم الزائغة من الضياع.
لم أعُد أتذكر عدد الأفكار التي خطرت لي، فربما هو أكثرُ يومٍ بحياتي تدورُ فِيهِ ذاكرتي كزوبعةٍ مجنونة، أو شريط فيديو يُعاد على عجل، تذكرتُ كُل شيء ونسيتُ كُل شيء عِندَ أولِ لحظةِ هدوء بعد صوتِ المُحرِك الَّذِي توقف فجأةً، هدوءٌ توقفت معهُ الأنفاسُ والقلوب، هدوءٌ وبخ شهوة الضجيج حولنا، وجعلّنا نقترِب بِلا وعي مِنْ بعضِنا البعض كما النّملُ علّى قِطعةِ سُكر، فثِقل الأرواح الخائِفة تخِفُ عِندما تُلامِس بعضِها، وأيضًا الفاجعة الجماعية تُخفِفُ مِنْ حِمّل الندم والعقوبة علّى ضمير الضحيّة.

حاول السائِق مِرارًا وتِكرارًا أن يُعيد عمل المُحرِك ولكِن عبثًا، ما مِنْ صوتٍ يُنذِر بالخير، فأخبرنا بِأن الحِمّل الزائد قَدْ أسخن المُحرِك وأحرقه. بعض مِنْ الشُبان ومن بينهم أنا لم نقتنِع بِكلامه رُغم قناعتِنا التامة بِأن المُحرِك قَدْ تعطل، ولكِن الخوف والحياة جعلّنا نؤمِن بِأن كُل شيء يعود بِالمُحاولة، كالميت الذي ترى أمهُ تُحاول إِيقاظه رغم تأكُدِها مِنْ موتِه.

لَمْ يمضِ الوقتُ طويلًا حتّى بدأ الماء يُلامس أقدامنا ببطء ويعلو شيئًا فشيئًا، وكِأننا طريدة في فمِ ضبعٍ جائِع، فالجِزء الَّذِي يتبلّل لا نعُد نشعُر بهِ مِنْ شدّة البرد، وكأننا نفتقد أرواحنا شيئًا فشيئًا، بقينا هكذا نوزعُ الحيرة كطلابِ امتحان يبحثون عَن الأجوِبة في أعيُنِ بعضِهم البعض، وهكذا حتّى لَمْ أعُد أعلم منْ الَّذِي يبتلِعُ الآخر الماء أم أنا.

ففّي لحظةٍ ما سمِعتُ صوتًا مِنْ بعيّد، وخيّال رجُلٍ يضغط علّى صدري ويُنادي ها هو الميّت لَمْ يمُت بعد.
بعد تِلك الحادِثة، لمْ أعُد أتذكرُ الأشياء، فذاكِرة الضحيّة برومو لِموتٍ مُرتقب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الموت
عرض التعليقات
تحميل المزيد