وتظلّ عقوبة الإعدام من أشدّ العقوبات الّتي شهدتْها البشريّة، والّتي تثير جدلا حول العالم!

منذ بدء الخليقة قامت الخصومات والخلافات بين البشر، الّتي تعدّدت أسبابها ومسبّباتها، ممّا أدّى إلى نشوب معارك أدّت إلى ظهور نتائج سلبيّة على الأفراد والجماعات.

وبتقدّم الزّمن وظهور المجتمعات المنظّمة، قننت العلاقات بين البشر، وفضّت الخصومات بشكل منظّم، وذلك باختيار شخص حكيم لحلّ المشاكل بين النّاس، أو أن يتولّى رئيس القوم هذا الأمر؛ ثمّ صار الدّين ملجأً رئيسيًّا في تطبيق الأحكام.

وبقيام الحكومات، سنّت القوانين الّتي من شأنها تنظيم الحياة داخل المجتمع، ومن ذلك تدخّلت السّياسة في القانون وفي سنّ العقوبات.

وتظلّ عقوبة الإعدام من أشدّ العقوبات الّتي شهدتْها البشريّة، والّتي تثير جدلًا في العالم!

عقوبة الإعدام اصطلاحًا، هي مجازاة مرتكب الذّنب وعقابه بالموت؛ وفي معناها القانونيّ، هي قتل شخص وفق قرار قضائيّ – عادل- يكون محكومًا بقوانين واضحة ومقنّنة. وهي تعد وسيلة لردع المجرمين، وبالتّالي استقرار الأمن داخل المجتمع.

يعود تاريخ «قانون عقوبة الإعدام» إلى القرن الثّامن عشر قبل الميلاد، والشّائع أنّه بدأ في العهد البابلي، إذ سنّ الملك «حمّورابي» قوانين لتنظيم مُلكه، وتضمّنت عقوبة الإعدام 25 حالة يُعد فيها القتل جائزًا وفق القانون.

لكنّ هذه العقوبة في الحضارات القديمة ظلّت وحشيّة ومروّعة، يعاني فيها المحكوم تنكيلًا وألمًا كبيرين؛ ففي جنوب شرق آسيا كانت الفيلة تتولّى مهمّة الإعدام، إذ يُلقى المحكومون تحت أقدام الفيلة لتسحقهم؛ وكان الخازوق كذلك رائجًا في جميع أنحاء آسيا، حيث يُعد من أكثر الوسائل وحشيّة، إذ تخترق الجسد عصا طويلة لتخرج من الجهة الأخرى.

وفي العصور الوسطى، حيث كانت «الكنيسة الكاثوليكيّة» في أوربّا تُعدّ السّلطة العظمى في المجتمع، شهد العالم جرائم ظالمة في حقّ الإنسانيّة، والأقسى من ذلك أن التّنكيل والإعدام كان يقام في السّاحات العامّة على مرأى ومسمع من الجميع.

القتل بإنسانيّة!

ظلّ البحث عن طرق رحيمة للإعدام موضوعًا للنّقاش في العالم، ففي أكتوبر (تشرين الأول) 1789 طرح الطّبيب الفرنسيّ «جوسيف جيوتن» استخدام «المقصلة» طريقة أقلّ إيلامًا، وهي قطع الرّأس بشفرة حديديّة حادّة؛ ومع تطوّر العلم وظهور المسدّس الّذي اخترعه الأمريكيّ «صمويل كولت»، شاع الإعدام رميًا بالرّصاص، والّذي ما زال حتّى يومنا هذا يطبّق في حالات عديدة، وتعد الصّين من أكثر البلدان الّتي تعتمد هذه الطّريقة.

تواتر خلقُ طرق مستحدثة للإعدام الأقلّ إيلامًا، أو بما يمكن أن نسمّيه «الإعدام الرّحيم»؛ فقد كان الكرسيّ الكهربائيّ من أكثر الوسائل رواجًا في الولايات المتّحدة، إذ يُصعق الجسد «بفولتات» قويّة تسبّب موتًا دماغيًّا مباشرًا؛ ثمّ صُنعت الحقنة السّامة المميتة، الّتي عوّضت الكرسيّ الكهربائيّ، وعُدت وسيلة أقلّ إيلامًا ورحيمة.

ويظلّ الإعدام شنقًا الأكثر شيوعًا منذ سنين خلت حتّى اليوم.

اختلاف بين مؤيّد ورافض

يرى الكثيرون أنّ الإعدام عقوبة لا بدّ منها، وأنّها وسيلة ناجعة للرّدع؛ ويرون أنّ العقاب بالموت حلّ لتطهير المجتمع من المجرمين، وحتّى يكون المذنب عبرة لغيره؛ فلا يقع ارتكاب الجرائم، أو على الأقلّ الحدّ منها.

فيجب محاسبة الجاني تحت إطار القانون، فتطَبّق ضدّه العقوبة الّتي يستحقّها؛ وإلّا لعمّت الفوضى وكثرت الاعتداءات. كما أنّها تعد عقوبة عادلة، خاصّة لمرتكبي جرائم القتل والاغتصاب، وبالتّالي لاستقرار الأمن وضمان وعي المجتمع.

ومن أكثر المؤيّدين لهذه العقوبة على مرّ التّاريخ، نذكر الفيلسوف الألماني «إيمانويل كانط»، متبنّيًا فكرة «العين بالعين والسّن بالسّن»؛ ويرى أنّ في ذلك ضمان العدالة المطلقة والمساواة.

يرى آخرون أنّ عقوبة الإعدام عقوبة وحشيّة وغير إنسانيّة، وأنّها إن كانت – حقيقة- تردع المجرمين؛ لقلّت نسب الجرائم. لكنّ ذلك لم يغيّر شيئًا، غير المزيد من القتل.

وماذا إن ظهرت براءة الّذي أعدم؟ هكذا يتساءل الكثيرون مفنّدين هذه العقوبة، الّتي تصبح ظالمة ولا سبيل فيها إلى الإصلاح أو ردّ الاعتبار في حال ظهور براءة المحكوم عليه؛ وبالتّالي يغيب العدل وتكثر الضّغائن.

تعدّد الفلاسفة والكتّاب الّذين عارضوا وبشدّة عقوبة الإعدام، ومن أبرزهم نذكر الفيلسوف الإيطالي «سيزار بكاريا» الّذي دافع عن نظريّته، وألّف كتابه المشهور في 1764 «في الجرائم والعقوبات»، الّذي أدان فيه العقوبات الوحشيّة الّتي تهين الإنسانيّة، ولا تغيّر شيئًا من الحقيقة.

أثار كذلك الرّوائي الفرنسي «فيكتور هيغو» هذه القضيّة، وعدها فعلًا مشينًا في حقّ الإنسان مكفولًا تحت غطاء القانون، وأنّ هذه العقوبة تعتمد التّمييز بين الأفراد، فتمسّ غالبًا البائسين الّذين لا يستطيعون الدّفاع عن أنفسهم. وقد برز ذلك في مؤلّفاته الّتي نذكر منها قصّته، «آخر يوم على محكوم عليه بالإعدام».

ساير خطاهم الفيلسوف والكاتب «ألبير كامو» الفرنسي- الجزائري، الّذي رأى أنّ هذه العقوبة جريمة في حدّ ذاتها؛ وغاص في بحوثه في أعماق النّفس البشريّة، مشيرًا إلى أنّه كما تحمل النّفس غريزة الحياة، تحمل كذلك غريزة الموت، الّتي قوامها تدمير الذات؛ وبالتّالي فإنّ الإعدام في حقيقته لا يعد رادعًا.

وفي طرحه لمقالته المشهورة «المقصلة»، فنّد الحجج المعتمدة لمساندة عقوبة الإعدام، خاصّة منها حجّة الرّدع.

رأي المنظّمات الحقوقيّة حول عقوبة الموت

لا يحقّ لأيّ أحد سلب آخر حقّه في الحياة؛ وإن كان مجرمًا؛ فحقّ الحياة مكفول تحت جميع المعاهدات الدّولية. ففي القرن العشرين صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تحديدًا في 10ديسمبر (كانون الأول) 1948، الّذي تأكد فيه حقّ الحياة مع إدانة كل تعدٍّ على حقوق الإنسان.

ويمكن أن نتطرّق كذلك إلى «منظّمة العفو الدّولية»، الّتي تناهض الإعدام، وتعده مرفوضًا في جميع الحالات، وما زالت تسعى وتناضل من أجل إلغائه نهائيًّا. والجيّد أنّه منذ أن قامت هذه المنظّمة في 1961 وحتّى الآن، تزايد عدد الدّول الّتي ألغت هذه العقوبة.

الإعدام ردع أم انتقام؟ عظة أم تصفية؟

هناك من يرى أنّ الإعدام ليس حلًّا عادلًا بقدر ما هو وسيلة للانتقام وشفاء الغليل، ولو كان وسيلة رادعة للمجرمين لما سمعنا عن جرائم مماثلة، وقد أثبتت الإحصائيات أنّ الإعدام لا يقلّل من نسب ارتكاب الجرائم.

وقد توصف عقوبة الإعدام بأنّها جريمة مع سبق الإصرار، تمارسها الدّولة تحت ظلّ لقانون، ولا فائدة ترجى منها غير المزيد من القتل.

ولا يجب أن ننسى محاكمات الإعدام الّتي تطال الأطفال الّذين تقلّ أعمارهم عن 18 سنة، والّتي تعد جريمة عظمى ما زالت بعض الدّول تمارسها حتّى اليوم.

حين يصبح الإعدام أداة سياسيّة تنتهك الإجراءات القانونيّة، بغرض القتل؛ فهنا علينا أن ندقّ ناقوس الخطر. فقد شهد العالم العديد من عقوبات الإعدام – في الدّول الديكتاتوريّة- الّتي تحدث دون مبرّر، فقط لإرهاب الشّعوب وفرض الهيمنة، ولتصفية الخصوم السّياسيين والمعارضين.

شنق، وحرق، ورجم، وقطع رقبة، جميعها طرق متعدّدة لموت واحد، موت يمارَس فيه الألم الجسديّ والمعنويّ، فيُحاكم المذنب مرّات ومرّات على جرمه. موت قد يحمل عنوان «قتل رحيم»، أو «قتل وحشيّ»؛ ومهما اختلفت التّسميات أو الطّرق، جميعها تظلّ حرمان روح من الحياة.

ويبقى الجدل قائمًا حول إلغاء عقوبة الإعدام، أو إبقائها عقوبة أساسيّة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد