بدايةً وقبل الدخول في تفاصيل المقال أود أن أثير تساؤلاً بسيطـًا يشغلني، ولعله هو السبب في اختياري لكتابة هذا المقال، أولاً ما لغز الموت؟ ثانيًا كيف لي كإنسان أن أتقبل فكرة الموت وأتعايش معها بسلاسة؟

الموت حقيقة ثابتة وواقعة بالدليل القاطع، فالموت يبرهن على وجوده باختطاف أعز الأحباب إلى قلوبنا بل باختطافنا نحن أيضًا، إذن ليست القضية أن نثبت للقارئ أن الموت حقيقة لأن جميعنا يعلم علم اليقين أنها حقيقة، بل أعظم حقيقة وضعها لنا الله سبحانه وتعالى، ومن ينكر تلك الحقيقة، فسوف تأتي له كي تأخذه وحينها لن يعد الإنكار مفيدًا.

فلنا أن نفكر مليًا مع أنفسنا في فلسفة الموت، فقد سمعت يومًا أحد أقاربي يبكي على فراق أحد أحبابه ويقول “الموت ده صعب أوي، الموت بيحرمنا من أعز الناس لينا” وأنا أفهم هذا الكلام جيدًا خاصة حينما نفقد عزيز، ولكن هل معقول أن الله يريد أن يشقينا بقضية الموت؟ حاشا لله، ليس الأمر كذلك أبدًا، فلنضع القضية في موقعها الحقيقي، فقد خلقنا الله سبحانه وتعالى وأرسلنا إلى هذه الأرض كي يختبرنا وكأن حياتنا كلها هي ساعتان (مدة الامتحان) وبعد أن تنتهي مدة الامتحان، فلابد من أن يقوم المراقب بجمع الأوراق منا، وهذه اللحظة هي لحظة الموت، لحظة أن تدق الساعة ويعلن المراقب انتهاء وقت الامتحان قائلاً بصوت أجش: “كله يسيب القلم” حيث يدبّ الرعب في نفوس الطلاب لأن الوقت قد انتهى وهكذا هو الموت، فهذه الأوراق التي يجمعها المصحح منا هي ما اقترفناه من صالح الأعمال وقبيحها، وهذا المراقب ذو الصوت الأجش هو عزرائيل الذي جاء كي يقبض أرواحنا، إذن لجنة الامتحان هي مسرح الحياة والموت.

ولكن لنكمل القضية، فبعد أن جئنا الدنيا بأمر الله، حق له أن يسترد وديعته في أي وقت، وقد أخبرنا بذلك، فلما نتعجب!

وهنا يثور جدل من نوع آخر، وأظن أنه الأقل شيوعًا من لغز الموت ألا وهو لغز الحياة، فكل واحد منا يفكر في حياته وينشغل بها ويحاول أن يحقق فيها كل ما يريد وكأنه سوف يخلّد فيها بلا فناء وحينما يأتيك، يحدثك عن الموت وكأنه ذئب يأخذ منه أعز ما يملك وهي حياته، فهل هذه النظرة صحيحة؟

حقـًا أنا لا أحاول أن أكون فيلسوفـًا بقدر ما أحاول أن أكون صادقـًا مع نفسي ومع القارئ، فأنا بشر ونحن جميعًا بشر ولا أظن أن قليلاً منا قد فكر ذات يوم بهذه الطريقة بل كُثر من فكروا كذلك، وظللت هكذا حتى قرأت كتاب لغز الموت للدكتور مصطفى محمود رحمه الله عليه، وفي هذا الكتاب وجدت الدكتور مصطفى يضع كل ما يجول في خاطري ويجيب عن كل أسئلتي وكأنه قد دخل إلى عقلي، ولعل أهم ما قرأت هو طبيعة رفض الإنسان لحقيقة الموت، حيث يقول الدكتور أن الإنسان كائن حي وهي طبيعته، أي أن الحياة هي طبيعة الإنسان والموت هو نقيض الحياة لذا فمن الطبيعي أن يكره الإنسان ما هو نقيضه، فهي طبائع الأمور، فالشجاعة حتمًا تكره الخوف والضحكة بلا شك تكره الدموع … إلخ، لذا فمن الطبيعي أن يكره الإنسان الحي ذاك الموت لأن الموت في نظر الإنسان انتهاك لأعظم حرمة يمتلكها إلا وهي حياته، “فإن عزرائيل ينتهك أطهر حرماتنا، نفوسنا، أنا، وأنت” بحد تعبير دكتور مصطفى.

وأنا أقتنع بهذه النظرة، حتى ولو كان لي عليها بعض النقد، صحيح أن الإنسان حي بطبيعته لكنه لم يأتي الدنيا بترخيص الخلود، فصحيح أنه حي ولكنه كان ميتًا وسوف يموت، النظر إلى طبيعة الإنسان بأنها الحياة فيه اجتزاء لحقيقة أخرى لم تكتمل بعد ألا وهي الموت، ولأن حياة الإنسان سبقت موته، اعتبرنا أن طبيعة الإنسان هي الحياة، فلمَ لم نفكر أن الموت قد سبق الحياة وليست الحياة هي التي سبقت الموت، فقبل أن يوُلد الإنسان، أين كان يا دكتور مصطفى؟

كان في دنيا العدم، صحيح لم يكن ميتًا ولكنه لم يكن موجودًا من الأساس، فعدم وجوده يشبه كثيرًا موته، ومن ثم وُلد وجاء الدنيا فأصبح حيًا، لكنه يعرف جيدًا أنه سوف يموت آجلاً أم عاجلاً، إذن أتى الإنسان من عدم وسوف يصبح عدمًا بالنسبة لعالم الوجود، فكيف لطبيعته أن تكون هي الحياة! ولعل هذا اللغط الشديد إن دلّ على شيء، فيدل على عظمة خلق الله سبحانه وتعالى للإنسان، فقد خلقه حي ويموت، يعطش ويشرب، يحزن ويفرح، وغيرها من التناقضات الغريبة التي لولا أنها متناقضة لما كان لها معنى أو قيمة، فما قيمة الفرح إذا لم يكن هناك حزن، وما هو شعور الارتواء بالماء إذا لم يكن هناك معنى للعطش، لا أظن أنه يمكنني انتقاد الدكتور مصطفى محمود أكثر من ذلك خاصةً وأن “لغز الموت” كتاب رائع، أنصحكم جميعًا بقراءته.

كذلك عاد الدكتور مصطفى ليؤكد أن الموت ضروري كي تنتظم الحياة؛ حيث قال نصًا: “لو لم نكن نموت لما شعرنا بالحب، فما الحب إلا هيستريا التشبث والتعلق بالحياة”، وهذه قضية شديدة الأهمية، فهل سوف يكون لأي شيء قيمة إذا لم يكن هناك موت وآخرة وحساب، فلنتخيل عالمنا بلا موت، سوف تتراكم الكائنات الحية جميعها من إنسان وحيوان وطير، ولن تسعنا الدنيا فيما بعد وسوف تصبح المسألة مملة لأن ليس لها نهاية ولا هدف، أما بالموت، فهناك هدف نريد أن نحققه بأن نحسن خاتمتنا كي نخلد في جنة الخلد وليس هنا في دنيا النعيم الزائف.

متفقون أن الموت حقيقة وأن الإنسان ليس مخلدًا، ولكن كيف لي كإنسان أن أتقبل فلسفة الموت التي تغزو بيتي فتسرق أهلي وأحبتي وأصدقائي الذين لا أتحمل الحياة بدونهم، كيف لي أن أقوى على ذلك؟ المسألة هنا مسألة إيمانية بحتة، فمهما حاولت إقناعك فلن تفهم إلا إذا كنت مؤمنًا أولاً بأن الله سوف يلهمك الصبر، وثانيًا بأن هذا العزيز الذي اختاره الله عنده هو وديعة الله وملك يده، فأمك وأبوك وأخوتك وعماتك وخالاتك وأصدقاؤك وحتى أنت، كلكم ملك لله، فالله لم يأخذ منك شيئًا والموت لم يسرق أحبابك كما تقول، وإنما جئت أنت وكل أحبابك في زيارة سريعة جدًا إلى عالم الدنيا وسوف تعودون مرة أخرى إلى رب الدنيا.

أعرف أن قبول فكرة الموت ليست مسألة سهلة على الإطلاق ولكن الحل هو أن تدرك أن هذه الحياة ما هي إلا فترة مؤقتة وقصيرة جدًا، وليست هي حياتك المفترض أن تعيشها، إنما هي فترة الموت التي سوف تنتهي بموت يبدو للبشر موتًا، ولكنه حياة أخرى وجديدة سوف تعيشها في جنة الخلد بإذن الله. فهناك وجهتي نظر للقضية؛ الوجه الأول هو منظور الدنيا التي نعيشها وأطلق عليه “منظور العالم الواقعي الحالي” وهو منظور محدود للغاية لأن فيه اجتزاء للحقيقة، فهو جزء من الحقيقة وليس كلها، والمنظور الثاني هو منظور العالم الآخر وأطلق عليه “العالم الأبدي”، ويعد هذا المنظور هو الأوسع نطاقـًا، فإن كنت ترى القضية من المنظور الأول فستظل قصير النظر وستكون مسألة الموت لك مشكلة بلا حل عندي، لذا أنصحك أن توسع نظرك إلى المنظور الثاني، فهو الحقيقة الكاملة بدون اجتزاء.

حينما تفقد عزيزًا عليك، قلّ إنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا تمنيت رؤيته، فهناك جنة خلد نتقابل فيها وحينها لن نعاني من مرض ولن يسرق الموت أحدًا منا، ولن يكون هناك معنى للموت، ستكون حياة خالدة، تكن أنت فيها حيًا بطبيعتك ومرتويًا وسعيدًا وشبعانـًا، وحينها ستفقد كل التناقضات الأخرى (من موت وعطش وحزن…) معناها، وستشعر بحلاوة كل معنى لذاته الخاصة الجميلة وليس خوفـًا من نقيضه القبيح، كما هو حالك في الدنيا، ففي الدنيا أنت لا تشعر بجمال الماء إلا لخوفك من العطش ولا تشعر بجمال الضحك إلا لصعوبة الدموع وهكذا، لكن حياة الخلد عالم رائع بلا تناقضات وبلا خوف من ألم وإنما رغبة في اللذة فقط.

فلسفة الموت ليست سهلة وقبول الموت سيظل صعبًا طالما ما زلت تفكر في دنياك هذه بأنها آخر ما سوف تعيش، ولكن إن أدركت أنك جئت الدنيا عابر سبيل فلن يصعب عليك الرحيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحياة, الموت

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد