منذ أيام أفاق رواد مواقع التواصل الاجتماعي على فيديو للشابة الفلسطينية إسراء غريب وهي تصرخ بإحدى غرف المستشفى، فيديو كان مؤلمًا وصادمًا، في انتظار ما ستسفر عليه التحقيقات، بين فرضية القتل، وتصريحات بإخراج الجن هنالك من نقل الواقعة بكل حزن، ليست المرة الأولى التي تنقل فيها اللحظات الأخير، ففي المغرب منذ أسابيع نقل لنا بعض العيان مشهدًا مروعًا للسيول التي جرفت سبعة أشخاص كانوا في الملعب، أرواح تسحبها المياه، أياد تلوح من بعيد طالبة النجدة، تبحث عن عود ثقاب تشتعل فيه الحياة من جديد.

هوس التصوير لم يعد يقتصر على المناظر الطبيعية، ولا حتى على الموائد المزينة بشتى أنواع الأكل، لم يعد للتفاخر بيننا، ولا حتى لأهداف سياحية وإرشادية، تمدد ليصل إلى اللحظات الأخيرة، تلك المدة الفاصلة بين الحياة والموت، المرحلة التي لا نختارها بمحض إرادتنا، لا نتزين لها، ولا نعدل من جلستنا ونحن نلجها، لا نبتسم ونحن نعيشها، كل شيء فيها يأتي في قالب المفاجئة، تتغير ملامحنا، وتبح أصواتنا أحيانًا، تمزق ثيابنا وتظهر عورتنا في حوادث عدة، فلماذا يصر المشاهد أن ينقلها لحشد كبير من البشر؟

في القديم وقبل أن تغزونا الهواتف الذكية، والتكنولوجيا السريعة، كانت مشاهد الموت مسجونة بين المستشفيات والمخافر، محبوسة في ذاكرة الأطباء ورجال الشرطة، وحدهم من يرونا هذه اللحظات الحساسة، ولأنهم أدوا القسم قبل ولوجهم هذه المهن، يصعب عليهم تسريب هذه الأسرار، وحتى وإن سربت فإنها تسرب بين عائلاتهم وأصدقائهم المقربين، بعد تحذيرات بعدم سردها لأحد، اليوم أصبحنا نراها تمر عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنها فيديوهات ترفيهية، يستلذ المشاهد برؤيتها متناسين الجانب النفسي للمتلقي، وحتى لعائلة المتوفى.

نحن قساة حين نؤرخ موت أحباب أناس لا نعرفهم، ونرهن زر الحذف عندنا، نتحكم بذاكرتهم، وجريان دموعهم، نذكرهم كلما هجرهم النسيان، نسجل ونثبت وجعهم بشتى الطرق، نحفظ صراخهم وعويلهم، نجمد دمائهم، وجثثهم بداخل هواتفنا، نعيش اللحظة وننسى تبعاتها، على أبنائهم، وآبائهم، وكل من يعرفهم، صورة بسيطة قد تحدث بالنفس ثقبا أسود يئن صاحبه كلما ضغط على زر التشغيل، ننبش جرحًا غائرًا بأظافرنا كلما أقفل، نعيد النزيف الأول والصدمة الأولى، جرح يأبى أن يشفى، والداء ذاكرتنا الهاتفية، وكاميرا التصوير التي ترفض أن تطفئ أضواءها الكاشفة.

ليس للوعظ مكان في هذه المواضع، مهما بلغت الرسالة التي نود إيصالها، على القانون أن يأخذ مجراه، ويكون رادعًا في مثل هذه الحالات، فالتعدي على حياة الآخرين جرم وجب علينا التكاثف من أجل إيقافه، ليس القانون وحده القادر على توقيف هذا الهوس، بل الأفراد ملزمين أيضًا بتوقيف أي شخص يبادر إلى نقل الكوارث من خلال كاميرا الهاتف، مثل هذه التصرفات قد تعرقل إجراءات الإسعاف، وتساهم في تأزم الوضع.

نتقاعس في تلبية نداء المساعدة، نتأخر في نجدة الضحية، 15 ثانية حملت لنا صراخ إسراء، كانت كفيلة بطلب الشرطة، أو خلع الباب، وأخرى كانت ممكنة لو رمى المصور هاتفه جانبًا ومد يده لينقذ غريقًا من السيول، الثواني التي نقضيها في توثيق المشادات ستكون فاصلة لو تدخلنا بحكمة، لكننا نرفض أن تكتب أسماءنا في سجلات المنقذين والمصلحين، ونفرح فرحًا عظيمًا حين تتناقلها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وأحيانًا أخرى نبيعها، ونزايد فيها، ونصبح سماسرة بحياة الآخرين، لا نحفظ حرمة ميت، ولا نستر عيب مصاب، وبكل جهل نشارك ونعلق، ونساهم في النشر، ونشبع رغبتهم، الباحثون عن الشهرة فاقدون للإنسانية، ولأخلاقيات البشرية، ستعاقبهم الحياة حين تذيقهم علقم الألم من نفس الكأس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد