اعتبر أرسطو أن المجال الذي يقع تحت القمر هو مجال فوضوي، لأن الإنسان ككائن حر، يقطنه. فالحرية التي يمتلكها هذا المخلوق، تعطيه قدرة للخروج عن قوانين الطبيعة والكون، عكس المجال الذي يوجد فوق القمر، والذي يسير بنظام وفق قوانين طبيعية صارمة. لأن الكواكب والنجوم (ككائنات سماوية سامية، حسب أرسطو) تفتقد للحرية.

الأمر ليس كما اعتقد أرسطو، فليس المجال الذي يقع تحت القمر هو وحده النظام الفوضوي، بل كل الكون برمته، منذ أن خرج من البذرة الأولى المتناهية الصغر التي انفجرت فجأة.

هناك مبدأ في الفيزياء المعاصرة، وبالضبط في الديناميكا الحراري، أو بلغة أكثر أكاديمية في الترموديناميكا، يسمى مبدأ الإنثروبيا، وهو مصطلح صاغه الألماني رودوف كلاوسيوس والذي يعني التحول باللغة اليونانية.

يؤكد هذا المبدأ بأن الزيادة في حرارة نظام مغلق يقود إلى الزيادة في إنثروبيته، اي في تحوله، وفوضويته بالتوازي. حيث إن القدرة على التنبو بحركة أجزائه يكون صعبًا. فلو قمنا مثلًا بتسخين الماء الذي يتكون من جزيئات الهيدروجين الملتصقة بثنائية مع جزيئات الأكسجين، فإن حركة هذه الجزيئات تبدأ في الازدياد مما يقود إلى عشوائية في حركيتها تنتهي ببخار الماء، الذي لا يمكننا التنبؤ بحركته في الفضاء.

فالماء يكون مؤطرًا في الوعاء، أي أنه في حالة نظام، لكن بتسخينه تزداد حركته بفوضوية، ليتحول مع الغليان إلى بخار يتصاعد بفوضوية في السماء يستحيل أن نقوم بتأطيره أو تحديده.

هذا هو مبدأ الأنثروبيا الذي قاد إلى مبدأ عدم اليقين في الفيزياء، بعد أن تبجح الكلاسيكيون بأن الكون مجرد آلة يمكن التنبؤ بحركته، إن قمنا بفهم قوانينه الميكانيكية، لقد كسر هايزنبرغ رقبة لابلاس، بعد أن كان كالديك الفرنسي رافعًا صدره متعجرفًا، كما هو على قميص المنتخب الفرنسي.

إنها الفوضى إذًا، فنظرية الأنثروبيا تُصرح بشكل واضح، في بعض أفكارها، أن الكون منذ الإنفجار العظيم دخل في فوضوية عارمة، أي أنه كان في حالة نظام، لكن بعد الانفجار دخل في الفوضى، بمعنى أنه كلما زاد توسع الكون كلما زادت فوضويته.

كل شيء ينزاح إلى الفوضى كما يقول قانون مورفي، فالتمثال الزجاجي يكون في حالة نظام جمالي بعد مجهود كبير قام به النحات أو الصانع، لكن مجرد خطأ بسيط يمكن أن يُسقط التمثال، فيتحول إلى حالة فوضوية، لا يمكن إعادة النظام إليها.

و قد صرح آرثر شوبنهاور، بمزاجه التهكمي الغاضب، قائلًا: يمكن لأحمق أن يقتل ذبابة، لكن لا يمكن لكل علماء الأرض أن يعيدوا لها الحياة. إذًا هناك احتمال واحد للنظام واحتمالات كثيرة للفوضى. وأظن أن القرآن الكريم الذي أورد النور مفردًا بينما أورد الظلمات جمعًا يُعبِّر عن هذه الحقيقة.

فالنور هو النظام الذي له احتمال واحد، بينما الظلمات هي الفوضى التي تجد لها الكثير من الاحتمالات، فالإنسان يسير تحت النور بنظام لكن تحت الظلام يتخبط بعشوائية.

إذًا، الإنسان يعيش في كون فوضوي، يأخذ فيها النظام احتمالًا واحدًا صغيرًا، ففي أية لحظة كيفما كانت يمكن للإنسان أن يموت، فظل الموت يلاحق الإنسان في كل لحظة، فما الذي يُبعد عنه كل هذه الاحتمالات؟

إنه الحظ.

الحظ، ليس في ملك الإنسان، بل هو شرط قائم في المجهول، أعطى للإنسان قابلية ليتفادى بها الاحتمالات الفوضوية التي تُحيط به من كل جانب، لكن هذا لا يعني أن الإنسان يعيش تحت رحمة الحظ، وإنما يسعى بحرية اختياره ليتفادى الاحتمالات الفوضوية، ومع ذلك لابد عن حضور الحظ.

فحين يُحاول الإنسان مثلًا أن يتفادى التدخين، للنجاة من الموت، فهذا لا يعني أنه سيبقى حيًا أكثر من المُدخِّن، فقد يكون الحظ إلى جانب المدخِّن، لكن الذي يتفادى التدخين قد اختار بحرية طريقة لإبعاد احتمال معيَّن للموت، عكس المُدخِن الذي ترك الاحتمال واردًا.

ومع ذلك يبقى الحظ قائمًا في كل خطوة يقوم بها الإنسان في الحياة، لأنه لا يستطيع عد الاحتمالات الفوضوية التي تحيط به من كل جانب. فالحظ يرافق كل رمية نرد نُلقيها في السماء، كما عبر عن ذلك نيتشه.

إذًا الفوضى تحيط بالإنسان من كل جهة، بينما يبقى قبس النظام احتمالًا واحدًا تحت رحمة الحظ. لهذا يستشعر الإنسان هذا الأمر كشعور بالقلق، فالقلق هو تعبير على أن الإنسان متأكد من أنه وسط فوضى وجودية لا يمكن التنبؤ بها أو التحكم فيها، فهو يعلم أنه يقف على أرض مائعة تُثير غثيانه كما قال جون بول سارتر، ومثيرة للهروب إلى المجال العمومي الغارق في الثرثرة كما عبر مارتن هيدغر. إن الإنسان ينسى أن وجوده قائم على الحظ، بالثرثرة، أو بالإيمان بالقدر، أو بالعلم، أو الغرق في التفاهة، أو الانتشاء بالجمال. لأن الجمال دائمًا ما يُحوِل العقل، بالقوة، عن التفكير في مواجهة الحقيقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الموت, ظل
عرض التعليقات
تحميل المزيد