لا يخالف أحد في أن الموت حق؛ فهو (كاس على كل الناس) كما يقال.

لكن ما يرافقه من أحوال هي ما يتفاوت فيه الناس؛ فتحزن لموت أحد أكثر، أو تفرح لموت أحد أكثر من فرحك بحياته.

ومَن يموت في دائرتك الاجتماعية الضيقة الأصل أن تحزن عليه أكثر ممن يموت في الدوائر الأبعد. هكذا الأصل، ثم تكون عوارض تجعل فقدان أحد بعيد أكبر وفقدان قريب أهون.

مما تمرّس فيه السوريون بعد الثورة: الموت؛ فعرفوه سجنًا وتعذيبًا قنصًا وقصفًا وهدمًا وتفجيرًا في الداخل، وذاقوه في الخارج غرقًا وحرقًا وقنصًا وتعذيبًا. في الأقارب والأباعد، حتى لا تجد بيتًا لم يمرّ فيه مجلس عزاء؛ وربما مجالس.

وألوان الموت هذه حصدت من السوريين مليون إنسان، وربما أكثر، ممن رُزقوا أرضًا تضم جثامينهم وممن حُرموا تراب الوطن، أو أية تربة تحفظ عظامهم!

لكن!

هل كثرة الموت من حولنا وكثرة الأموات ممن نعرف ونجهل تخفّف سَطوته؟ هل بعد مليون إنسان مات ما زلنا نستطيع العدّ؟ وهل ما زال في العيون دموع تبكي مَن يكون مِن الأقارب والأحباب؟

نَزَفَ البُكاءُ دُمُوعَ عَينِكَ فاستَعِرْ عَينًا لِغَيرِكَ دَمعُها مِدرَارُ

مَن ذَا يُعِيرُك عَينَه تَبكِي بها أَرأَيتَ عَينًا للدُّموعِ تُعَارُ

نعم نعم؛ فكل نفس تصعد إلى بارئها لها نفوسٌ ما زالت تتنفّس حبَّهم وتدعو لهم، فلكلٍّ إنسان من المليون أحباب وأقارب لا ينسونهم؛ وفي كل مناسبة قد يعجزون عن زيارة قبورهم للدعاء لهم عندها، لكنهم يرفعون الأكفّ من بعيد يترحّمون عليهم ويستغفرون لهم، وإن استطاعوا يتصدقون عنهم.

فما أقسى ما جرّبتَه من الموت وقد مات لك الكثير؟؟ وهل في الموت درجات من القسوة؟ نعم؛ الموت درجات في القسوة والقهر.

يعيش أفراد العائلة في بيت يجمعهم إن لم يكن يوميًا فأسبوعيًا، وإن ضاق بهم فهو جامعهم ولا شك عند المصيبة أو الفرح. وإن مات منهم أحد شهدَ كثيرون منهم احتضاره وصعدت روحه بينهم كأنهم يراقبونها، فإن نُعي اجتمع أكثر أهل البلد في عزائه، وما بقي قريب أو بعيد إلا حضر العزاء، حتى ليقوم الناس لبعضهم من ضيق الخيمة أو البيت بهم!

إن ذكرَ الحياة والموت بهذه الصورة التي صار صعبًا علينا كتابتها، لأننا بتنا نراها جزءًا من رواية تاريخية عن مجتمع بعيد، أو جزءًا من فيلم طويل غير واقعي نشاهده بملل.

تمزق السوريون في الأرض؛ فلا حياتهم حياة، ولا موتهم موت كغيرهم. لعل أقسى الموت ألا تحضر جنازة مَن تعرف أو تحبّ؟! أو لعلها ألا تحضر جنازة أبيك أو أخيك؟! فهل هي أن تعرف متأخرًا بموت قريب أو حبيب؟ أو أن تنسى لكثرة الموتى فلانٌ ما زال حيًّا أم اختطفه الموت فاختلط عليك قضى هو أم أخوه الأصغر أو الأكبر؟ بل لعل أقساها أن يكون العالم الافتراضي هو المئذنة التي يبلغك فيها موت قريب أو حبيب.

مات أبي؛ رحمه الله، فكنت أعرف أنه في المشفى مريض يُحتضر من أيام. استشهد أخي؛ تقبّله الله، فقد أعرف أنه في معركة، وما زلت أكلّمه وهو يقاتل حتى حال الغدر بيني وبينه فقضَى. استشهد صهري الأول؛ تقبله الله، كان محاصرًا مع الإخوة، وما زال يقاتل ليسلموا حتى قضَى. واستشهد صهري الثاني؛ تقبّله الله، فقد كان في البلد والقصف شديد، فقضى وهو يتفقّد بيوت أهله وإخوانه ومَن فيها. وفُقدَ صهري الثالث؛ تقبّله الله، فقد كان بين القرى يحمل المواد الإغاثية والطريق خطرة، فاعتقلوه لسنوات، ثم كان اسمه بين الشهداء المغدور بهم. واستشهد ابن خالي؛ تقبله الله، فقد كان في تحرير مبنى سامَ الأهالي سوء العذاب، فسبقت إليه رصاصة قنّاص قبل تمام التحرير. وفلان وفلان ممن أعرف وأحبّ.

لكن أن تفتح العالم الأزرق أو الأخضر لتقرأ آخر الرسائل، وتعرف آخر الأخبار، وتقرأ بعض الصُّحف، وتعزّي هذا وقد نشر خبر وفاة قريبه، وتهنِّئ الثاني وقد نشر خبر زفاف ابنه أو مولوده الجديد، وتواسي آخر وقد نشر خبر تعثّره، وغير ذلك.

لكن الغريب في هذا اليوم أن أفتح وسائل التواصل لأجد خبر وفاة عمّي رحمه الله في بلدٍ بعيدة عنا، فيسودّ الملعب الأزرق ويضطرب العالم الأخضر، فتختلط كلماتي لفريق العمل مع الإشارات للعجز عن الكلام، وتغلب العَبَراتُ العِبَاراتِ، ويتوقف الزمن ساعة وتهدأ الأنفاس: في مشروع المركز الثقافي هل نقتصر على كذا؟ وفي مشروع مركز الطفل هل يقوم فلان بالدراسة؟

وانقطع الكلام وتغيرت الملامح وخرجت الدموع رغمًا عني، وارتبك الوسط من حولي؛ خيرًا خيرًا؟ ما لك؟ ما الغريب؟ لعل المليون زادوا واحدًا اليوم بموته! سبقت لك خبرة بالموت بألوانه، وسبق لك فقدان أقرب الناس إليك؛ وعمّك رجل كبير في التسعين وأولاد بناته أكبر منك، فلماذا هذا الحزن وكيف يقهرك البكاء بعد كل هذا؟!

نعم؛ إنه قاربَ التسعين، وما عرفته مذ وعيت إلا وحركته ثقيلة وكيس دوائه أكبر من كيس دواء أبي رحم الله الاثنين. نعم؛ مات في أرض الكنانة ونحن في أرض عثمان. نعم، مات.. وكنت أعرف أنه مريض. نعم؛ مات وأبي وكثيرون أصغر منه قضَوا نحبهم قبله بسنوات.

لعلي بكيت حالي وحال كل السوريين؛ لم يبلغني خبر وفاته من مئذنة جامع الحيّ! ولم يقرع بابَ دارنا أو يقتحمه ليخبرنا بموته! لم نشهد تغسيله وتكفينه! وما مشينا في جنازته وصلّينا عليه وأقمنا الخيمة للعزاء به! أهكذا صار موتنا؟

يُنعى الموتى عبر وسائل التواصل؟ ويُقام العزاء مع صورة الميت في حالة الواتس ومنشورات الفيس وتويتر؟ والقريب يتصل اتصالًا للتعزية والبعيد يكتفي برسالة؟ وتتابع الجنازة – إن حصل – عبر البث المباشر؟ وتشارك في العزاء بالصور على صفحتك؟ وتجلس تبكي وحدك حتى تتعب فلا أحد يواسيك أو يخفف عنك؟ ويأتي فريق العمل يعزّونك وأنت من وراء مكتبك تهمهم بكلمات بالكاد مفهومة؟ وينتهي وقت الدوام وأنت تفكّر بالموت يطرق بابك؛ مَن سيشهد يا تُرى موتي؟ وكم شخصًا سيمشي في جنازتي؟ أو هل ستكون لي جنازة يحضرها الناس وأنا في بلد غريب لا أعرف جاري المقابل لي في الشقة؟ أو هل ستكون الدعوات لي عبر مشاركات في وسائل التواصل لحصد الدعوات بالرحمة والغفران؟

هرب ضوء النهاء وتآكل اليوم سريعًا وما زالت الأفكار تلو الأفكار تطاردني؛ تُرى هل هكذا يكون موت السوريين في العالم المجنون؟ هل قضينا مع أحبّتنا ما يكفي ليذكرونا قبل موتنا، وليس لينشروا عزاءنا بعد الموت؟ هل فتحنا دفاترنا لنعرف مَن تواصلنا معه من بعيد فنجدّد الاتصال؛ فلعل الموت يصله قبل صوتنا، فنتصل فنجد: الرقم الذي تتصل به قضَى صاحبُه نحبَه؟

إن كان قُدِّر علينا الشتات فلا نبخل على بعضنا بالتواصل؛ فالموت سيغدو أقسى إن حلّ بأحد بينك وبينه جفوة، أو تأخرت بالاتصال به والاطمئنان عليه.

عيشنا صعب عسير؛ فلنهوّن الموت على أنفسنا، ونتصالح مع غيرنا، ونهتمّ أكثر بالتواصل الإيجابي، ونتذكّر أن الموت قد يطرق الباب علينا أو عليهم في لحظة لا نعرفها، ولن يُمهلنا حتى نتصالح ونتصافى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد