باتت قضية لقاحات الوقاية من فيروس كورونا نقاش الكثيرين من مواطنينا بمجتمعاتنا العربية، فيدور الحديث مع سائق التاكسي «ويعد نفسه متحدثًا باسم منظمة الصحة العالمية» إذ يوجه الإرشادات والنصائح لركاب التاكسي بعدم تلقي اللقاحات وأن هذه اللقاحات بمسمياتها المختلفة لها أعراض جانبية قد تتسبب في تجلطات دموية أو فشل كلوي وإجهاض للقلب وغيرها من المسوغات الواهية، ومن ثم ينتقل هذا السائق للحديث عن المؤامرة الكونية التي بلورتها الولايات المتحدة بالاتفاق مع الصين وروسيا لخفض سكان العالم والتخفيف من العبء الاقتصادي عن المجتمعات العالمية، ونحن لا ندري من يتآمر علينا عندما تكون خسارة الدول الصناعية في شهر واحد بسبب الإجراءات الاحترازية تعادل دخل عشر سنوات للدول النامية.

هذا الحديث لا يذكرنا إلا بقول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حينما قال «أرى الرجل فيعجبني، فإذا تكلم سقط من عيني»، هناك ثقافة سائدة بمجتمعنا العربي وهي الحديث في قضايا ومواضيع متخصصة بعيدة كل البعد عن تخصصات الأفراد الأكاديمية أو حتى تخصصاتهم المهنية، فنجد الكثير من الأشخاص يتحدثون في أمور طبية، وذلك بناءً على خبر صحفي أو دراسة موجودة على الإنترنت أو معلومة هنا أو هناك، ويبدي الشخص رأيه كأنه شخص ضليع ومتخصص ويقدم الأفكار والحلول.

هذه الثقافة السلبية تلقي بظلالها على المجتمع فترسخ بعض المعتقدات والمفاهيم الخطأ لدى الناس مما قد يسبب بعض المشاكل المجتمعية وتزيد من تفاقم المشكلة على المدى البعيد، وهذا حالنا اليوم في قلة إقبال الناس على تلقي اللقاحات خشية التعرض لإصابات أو أمراض بدنية، إذ أدى إحجام الناس عن تلقي اللقاحات إلى زيادة أعداد المصابين وحالات الوفاة وتفشي الفيروس بشكل أكبر، مما أجبر بعض السلطات المحلية على اتخاذ إجراءات قاسية مع المواطنين من خلال فرض غرامات مالية أو منعهم من التنقل بحرية بين المدن أو المنع من دخول بعض المباني الحكومية.

ومن رأي الشخصي تبقى اللقاحات على خلاف أنواعها سواء سبوتنيك الروسي أو فايزر الأمريكي أو موديرنا أو أسترازينكا أفضل بكثير من التعرض للإصابة بكورونا والوصول لأعراض مرضية مؤلمة وخطيرة قد تودي بحياة الشخص، فالوقاية خير من قنطار علاج، وأغلبنا اليوم بات يعرف المضاعفات الجسمانية الخطيرة لمرض كورونا أثناء الإصابة أو حتى بعد الإصابة، وما قد تسببه للجسم خاصةً لكبار السن ولضعاف المناعة، ولا أعتقد أن منظمة الصحة العالمية وأمن الدواء والغذاء قد تسمح بنشر أي لقاح قد ينتج عنه أي عرض جانبي للمرضى وهذا ما حصل مع أحد اللقاحات الذي تم على الفور إيقاف عملية إنتاجه.

ومن هذا المنطلق يجب أن توضع خطة علاجية للتعديل من فكر وثقافة مجتمعاتنا، وذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة، من خلال نشر المعلومات الدقيقة وتناول المواضيع الرائجة وذات الاختلافات الفكرية لدى الناس، واستضافة أشخاص متخصصين للحديث عن هذه المواضيع، بحث يقطع الطريق على الكثيرين من الخوض في أفكارهم الخيالية ونشرهم للمعلومات المغلوطة والتي تتسبب بعد ذلك بمشكلات مجتمعية على المدى البعيد، وقد نظمت بعض وسائل الإعلام الفلسطينية خاصةً حملات توعوية خلال الأيام القليلة المنصرمة، وكانت نتائجها مثمرة إذ زادت نسب المقلبين على تلقي اللقاحات بصورةٍ كبيرة جدًا خاصةً من فئة كبار السن.

ختامًا أقول إنه على كل مواطن تحكيم العقل، والتوقف عن الاستماع إلى الخرافات، والحصول على المعلومات من مصدرها الطبيعي وعدم الخوض في أحاديث وتقديم معلومات غير مؤكدة وترك المجال لأهل العلم ولأهل الاختصاص للحديث في موضوعاتهم، ونسأل الله السلامة للجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد