أحمد أبو الخير
أحمد أبو الخير

أراد يريد إرادة.

الإرادة شخص كامل الأهلية، يفكر، يزن الأمور، يحتاج شيئًا ما، لماذا؟ لأنّه رأى داخل هذا الشيء كماله، وبه تتم دورة سعادته. ولكن كيف يريد الموت؟ هل الموت إنسان نراه؟ هل يتجسد وقت مجيئه قبل انسلاخ الروح من داخل الجسد؟ أمر آخر هو محتاج للاعتذار، يحتاج بشدة أن يُستسمح فيم فعل. فأي اعتذار يمكن أن يكون لأبشع ما قد وُجِد على وجه الأرض؟ فلِم يفعل الموت ما يفعله؟ وعلام يدل؟ وإلى ماذا؟

هذه مجرد أسئلة سيرتكن إليها العقل بمجرد قراءة عنوان المجموعة القصصية (الموت يريد أن أقبل اعتذاره) للروائية والقاصة نهلة كرم، والصادرة في إطار متوسط الحجم داخل 130 صفحة عن دار العين بالقاهرة.

19 قطعة مفتتة، 19 قصة قصيرة قد تناثرت على طول الكتاب وقد اتخذت من الموت بكافة صوره وأشكاله المادية المتجسدة في الواقع الحيّ، وحتى المعنوية، محورًا أساسيًا للحديث عنه.

الموت بغيض، بشع، مكروه، سيء، أفِ عليه، ولكنه حق وواجب. دهان الحوائط يدور عليه الزمن حتى يسقط، أوراق الشجر الزاهية تسقط من علٕ، الليل يهجم، النهار يعقبه. إذًا فالكون المُحيط من جماد وحيوان ونبات يسير إلى الموت سيرًا، والإنسان مُجرد عنصر من عناصر الكون – أي نعم هو  المُتحكم والديكتاتور الذي يُخضع كُل ما حوله له – ولكنه هو الآخر سينتهى به المطاف للموت، لفك التشابك المعقد ما بين الروح التي تهيم، والجسد الذي يُدفن.

في مقالة لجيمس آيربي يقول أن خورخه لويس بورخيس ادعى ذات مرة أن الوسائل الأساسية للأدب الفانتازي كُله لا يتعدى أربعة أمور وهي: الواقع المشوب بالحلم، الرحلة عبر الزمن، العمل داخل العمل، والقرين.

فإذا تمت تطبيق مقولة بورخيس على المجموعة، لوُجِد أنّها تُناسبها تمامًا، وتليق بها. فمثلاً كانت الصورة الأولى للموت

(وهو أمر واقعي يحدث بشكل متأرجح ما بين كونه إراديا ولا إرادي) من خلال النوم، إطفاء الجسد، إغلاق العينين، انسياب الروح في ملكوت آخر لا أحد يعلم ماهيته تحديدًا، بعدها من الممكن أن تعود الروح لتشغيل الجسد ومن الممكن لا، وما الذي يُوجد داخل النوم الأحلام أي (الواقع المشوب بالحلم). وهذا قد تحقق في قصة “نجوم في سقف الحجرة” للفتاة المستلقية على سريرها كُل يوم، هُنالك نجوم مُعلقة في السقف، النجوم تتلاحم مع روح الفتاة، ترى داخلها أشخاص، تتفاعل معهم، حتى يتفسخ الحلم من معناه المُرتبط به ويصبح واقعًا مُجسدًا.

القصة نفسها التي تحمل المجموعة عنوانها “الموت يريد أن أقبل اعتذاره”  لهي أكبر تطبيق عملى لمقولة الواقع المشوب بالحلم، فالكاتب الذي يكتب روايته، يظهر الموت فجأة أمامه يعرفه دون أن يقول له من هو (ربما يكون الموت قد خرج من إحدى قصصه، وأراد أن يفتك به كما يفتك هو بشخوص رواياته) يخبره الموت أنّه سيموت بعد ساعتين، ولكن قبل أن يقبض روحه لابد له أن يقبل الكاتب اعتذار الموت، فهو ظهر له فجأة وإلا فسيكون هذا عذاب له، ثم سجال بين الموت وبين الكاتب يتضح فيه أن الموت مخادع لا يُؤمن له مهما حدث، حيث أغراه بكتابة رواية في الوقت المُتبقى وسيضمن له الشهرة بعد موته، ومن الشهرة ستعيش زوجته وابنته من النقود، ولكن هُنا المفارقة، هنا تسلط وتمكن الحدث الكبير وإحكام سيطرته (وهو الموت) على الحدث الصغير التافه الذي لا يُقترن به أصلاً

(وهو الكِتابة)، فالرجل همّ بالكِتابة إذ بالموت يقبض روحه كما هو مرسوم وموضوع.

الموت له تحليلات وتجسدات معنوية عديدة

مثلاً: الفراق هو انفصال ما بين شخصين كانا مُتحدين مثل بقية عناصر الكون، انفصلا أي ماتا . الانفصال أو الموت بالفراق قد اتخذ صورًا عديدة منها، الانفصال والفراق بالخيانة في قصة “الشرفة الأخرى” والتي هي نسق كلاسيكي عتيد عن قصص الحب من خلال بنت تحب آخر، الآخر ينتقل إلى العمارة المقابلة، الشرفة تكون الملاذ الأول لهما، الأمر ينقلب بين الحبيبين بسبب الأهل، فالغبار الذي تُنتجه سجادة الولد الحبيب يسقط في شرفة البنت الولهانة، وقامت الدُنيا بين الأهل، وإنتقل صدى الفراق والإنفصال للحبيبن للحبيبين .

إذا رجعت – ولا زلت مُتذكرًا – لمقولة بورخيس فستجد أن ثانى من أعمدة الأدب الفانتازي هو القرين. القرين يعني الصاحب، الصديق أي من لحم ودم، ولكن نهلة في مجموعتها قد عمدت إلى أنسنة الجماد وإضفاء صفة البشر على أجزاء الجسد وجعلت لهم عقل ومنطق يتحدثون به – أي نعم التحدث إلى بعضهم البعض – ولكن في خدمة الشخص المُصاحب، في محاولة لإظهار المتاعب التي مرت بالشخص صاحب الملابس أو أجزاء الجسد أي القرين.

وهذا قد اتضح في قصة «دولاب معتم»، وفيها بعض الملابس تعبر صارخة عن آلامها في عدم ارتدائها، وأنها قد ركنت العديد من الألوان الزاهية في ملابسها وصارت ترتدي الأسود لأنّ الحبيب مات، وهنا علاقة قوية بين عتمة الدولاب وعتمة النفس داخل الفتاة الحبيبة.

أما في “ثرثرة”، فهي تدور عن لسان السجادة والمعطف والتلفزيون والباب،  إلى آخره من أمور البيت التي تظن أنها مهملة لا تعي ولا تفهم ما يدور حولها، ولكنها – هنا – ذكية، فِطنة، تعرف كل شيء، وهذا الكُل هو  تعبير عن مكنونات الفتاة الداخلية، في «ابتسامة معلقة بالشفاه» يُترك الأمر لأجزاء الجسد أن تتحدث، تتحدث عن مدى التفاوت في نفسية ومشاعر الفتاة قبل أن تسهر مع حبيبها وبعد السهرة معه.

وفي «مج مبتور اليد» هنا فكرتان رئيستان قد التحمتا لتنتج نصًا مكدسًا بالمفارقات، ومشحون بالمآسي الإنسانية، من المج الذي بُترت يده من خلال سهو وخطأ بشري، وكاد أن يموت، وكاد أن يكون مصيره القمامة ومع المخلفات لولا البنت الصغيرة التي أعادته للحياة مرة أخرى عن طريق استخدامه كمكان تضع فيه أقلام الرسم، في محاولة لتعظيم الفن وجماله.

القصة القصيرة هي تحفيز العقل، مراقبة الكون؛ لالتقاط الشظايا الصغيرة، لجمع الهوامش التي من الممكن – بل مؤكدًا – لا يلتفت إليها أي أحد، لصنع مآس وعوالم جديدة منها، وهذا ما فعلته نهلة كرم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك