في مصر العربية الإسلامية، لم يعد يثير الاندهاش أن تستمع لكلام أحد المحللين (تجاوزًا) الذين يملؤون الشاشات وهم يحاولون ليّ الحقائق والوصول بتحليلاتهم العبقرية لأن ما يجري على أرض فلسطين المحتلة لا يخصنا في شيء، ويسوقون الفاسد من الأدلة تلو الآخر في صناعة ممنهجة.

 

 

ولا يبدو أن هناك غرضًا لها سوى استكمال عملية تزييف وعي الشعب، وتعبئته بمفاهيم وأفكار مغلوطة أو مجتزءة، تُسهل عملية الامتطاء التي اعتادت عليها شعوبنا وتمرست عليها لسنوات غير قليلة، لكن الحال من السفه والإجرام قد جعل بعض هؤلاء الدجالين يبررون ويتشفون فيما يفعله الكيان الصهيوني المحتل من قصف وتدمير وقتل ممنهج يطال الأطفال والنساء والعجائز وحتى المستشفيات، تحت حجج وذارئع مختلفة قد يعجز عن إتيانها ذلك الكيان الإجرامي للتسويق لجرائمه التي يندى لها جبين الإنسانية!

 

وعليه فلم يعد من المستهجن أن تستمع لكلمات هؤلاء الدجالين التي ملأت أسماع الناس طيلة سنوات ليست بالقليلة، وقد صارت حديث الناس وشكلت وعيهم، للحد الذي أصبح المواطن مشوه الوعي، يكرر الأسطوانات التي يسمعها عبر إعلام تخريب العقول، وكأنه مبرمج أو مخدر لا حضور لشيء من عقله الواعي أو فطرته السليمة. فما الذي حدث؟!

 

إن نظرة سريعة على الرأي العالم المصري قبل سنوات قليلة مرت تجعلنا نلحظ بوضوح حجم التأثير الهائل لعمليات كيّ الوعي، على سبيل المثال يمكن ببساطة مقارنة ردة الفعل الشعبية بين معركتي 2009 و 2014، بين الكيان الصهيوني والمقاومين على أرض فلسطين المحتلة، وهما برأيي صالحتان تمامًا للمقارنة بلحاظ أن النظام المصري في الحالتين هو تقريبًا نفسه من حيث توجهاته الأساسية واستراتيجياته السياسية والاقتصادية وأدواته.

 

وعلى العكس من الحالة في عام 2012 حيث يمكن أن نعتبر أن العامل المختلف في الأخيرة هو حدوث الثورة المصرية ومجيء رئيس من تيار إسلامي يقول إنه لا يعترف بالكيان الصهيوني؛ مما يعني أن التعاطف كان من قبل الرئيس الجديد مضافًا للشعب، على أية حال فتلك الحالة الجديدة لم تدم سوى عدة شهور – والمقام هنا لا يتسع لسرد الأسباب والمتسببين بقدر ما يحاول وضع اليد على أصل المشكلة- سرعان ما عاد النظام المصري بعدها لقواعده بشكل أكثر حدة.

 

أما بالعودة للمقارنة فنجدها بالقطع لصالح 2009، من حيث درجة الوعي العام، ومقدار رد الفعل الرسمي ربما، والشعبي بكل تأكيد، فماذا جرى لوعينا؟ وما أسباب هذه الدرجة من الانحطاط غير المسبوق في العقل العام؟ وهل يمكن لبضع سنوات من الأحداث مهما بلغت حدتها وضراوتها ودمويتها أن تتسبب في كل هذا المقدار من التشوه؟ وهل يمكن تصور أن التشوه قد وصل في تلك السنوات قليلة العدد كبيرة التأثير للحد الذي يُنسي أو يُعمي العقل الجمعي عن رؤية عدوه الاستراتيجي الواضح، فضلاً عن تبني بعض من فقدوا البوصلة والهوية للرواية الصهيونية للأحداث؟!

 

ولمحاولة الإجابة على تلك التساؤلات التي تجر طوفانًا من الأحزان، ينبغي استحضار عينة – على سبيل المثال لا الحصر – مما أفرزته تداعيات وجود ذلك الكيان وسطنا منذ النشأة والصراع، وحتى التصالح والاعتراف (من العرب الرسميين، وليس الشعوب حتى الآن على الأقل، وإن كانت النذر التي يؤشر بها مقدار نزيف الوعي خطيرة جدًّا، ومنذرة بتحولات شعبية، إن لم يتم تدارك الأوضاع)– وغرض ذلك هو محاولة استعادة شيء من عمق القضية وتأثيرها الخطير على مستقبل شعوبنا ومنطقتنا، بل ووجودنا وهويتنا.

 

فلا غنى عنها لكل محاولة جادة لاستعادة المسار التاريخي والحضاري والإنساني؛ وفي سبيل ذلك أكتفي بتسليط شيء من الضوء على تداعيين رئيسين لهما برأيي دور كبير في تفسير ذلك الانحدار المخيف للوعي:

 

التداعي الأول: يبدأ من لحظة اعتراف مصر الرسمية – قائدة العرب وقاطرة تحركهم- بالكيان الصهيوني، بعد سنوات من صمود مصر ورفض اعترافها، وتضحيات وحروب وشهداء ووحدة في الصراع بين المحيط العربي الأصيل الرافض، والكيان الصهيوني الدخيل المحتل الغاصب.

 

في تداعٍ لا يقل خطورة عن إنشاء ذلك الكيان، فها هي كبرى دول المنطقة ودولة الطوق والمواجهة الأكبر تعلن الاعتراف وتوقف القتال، وتُعلن في وثيقة الاعتراف أن الأولوية لحفظ الأمن وعدم الاعتداء وأن تلك المعاهدة تعلو على أي معاهدة عداها، وأن مصر ملتزمة بوقف أي نشاط عدائي ضد الكيان الصهيوني بالقول أو الفعل! وأن هناك حصرًا لعدد وعتاد الجنود وتقييدًا لتحركات الجيش المصري داخل أرضه، و”فيتو” على أي تحرك مصري يتم تصنيفه على أنه معادٍ لأمن الكيان الصهيوني!

 

باختصار جرى على وقع انتصار اكتوبر المجيد تمرير أكبر عملية اعتراف وخضوع وتهميش لدور مصر، وكأنها كانت المهزومة في الحرب!

 

إن محاولة دراسة تأثير الاعتراف المصري وما تلاه يتجاوز الموقف السياسي والاستراتيجي، وحسابات موازين القوى، وانفراط حالة التوحد في المواجهة، وبدء رحلة الاعتراف الرسمي العربي، والوضع الجيوسياسي الجديد، إنه يتجاوز كل ذلك لقضية في منتهى الخطورة لم تنل القدر الكافي من الاهتمام، ألا وهي تدشين قبول الظلم والانحناء أمامه بل وحمايته والسهر على راحته ونيل رضاه.

 

مما يعني ضرب قيم العدل والشجاعة والمقاومة والكرامة والرجولة وسلسلة القيم والثوابت الإنسانية من الوجدان والعقل المصري والعربي في مقتل، واستبدالها بقيم الخوف والتبرير والمساومة والمزايدة، وحفنة من القيم المنحطة التي لا تلبث أن تحل محل تلك الأولى في الوجدان الشعبي.

 

ومن خلال ما حدث وما جرى من نزيف للوعي الشعبي على أثره، تم استبدال قيم كثيرة وتفريغها من مضامينها لتحل محلها قيم الاستغلال والنفعية والمادية وحق القوة والانبطاح أمام سطوتها.

 

من هنا بدأ التحريف الذي احتاج بضع عشرات من السنين حتى تتأصل تلك القيم وتترسخ وتُنتج ذلك التشوه الذي نراه ونلمسه في حياتنا وأفكارنا ونقاشاتنا وتحليلاتنا.

 

لقد تملكتنا ذهنية الخوف حتى صار السلام (الاستسلام) خيارنا الوحيد، والمغامرة والطيش (المقاومة) تهور وحماقة، حتى صرنا نغمز ونلمز ونطعن في كل مقاوم إلى أن انحدر الوضع وأصبحنا حجر عثرة أمام من يقاوم، إنه الانتقال البطيء من موضع العزة والكرامة لموطيء الخسة والنذالة، وهو انتقال احتاج للكثير من الوقت والجهد وتشكيل الوعي وتسليط الضوء على الماديات والترف كبديل عن الكرامة والعزة، فتشويه القابليات والفطرة ليس بالعمل الهين!

 

التداعي الثاني: وهو يخص ما جرى في السنوات القليلة التي تلت ثورة يناير 2011.

 

والحقيقة التي نشاهدها هنا أن ما قبل تلك اللحظات، لم تكن العقلية الشعبية قد وصلت لهذه الدرجة الحادة من التشوه، فرغم كل سنوات التشويه والتحريف وتبديل القيم وضرب الثوابت وزرع اليأس، لم تصل القضية لدرجة استبدال العدو الحقيقي بعداوات بديلة مصطنعة، على الأقل في الذهنية الشعبية، وإن كانت العقلية المصرية والعربية قد أصبحت في حالة استعداد لتقبل اللمسات الأخيرة، إن رأت أن الشر القادم من الداخل يفوق القادم من ذلك الكيان!!

 

وهو ما يجري الآن تمريره بمهارة شديدة، فبعد بضع سنوات من الحراك الشعبي الهادر يمكن ملاحظة أن الركوب على الموجات الثورية العربية قد تم بنجاح حتى الآن، وأن استغلال غياب التعقل وعمق الرؤية وسنوات التسطيح والخداع يمكن أن تسمح بحراك شعبي ينزع القضية من جذورها ويستبدلها بتطلعات شعبية متفقة مع مقدار الثقافة الهزيل الذي نالته.

 

وهو ما يعني إمكانية اقتناص الفرص لتوجيه الغضب ناحية العداوات المطلوب تضخيمها، بدلاً من صيرورة مطلب التحرر الكامل من كل صنوف الاحتلال والتبعية والظلم، وهو مطلب جماهير العرب!!

 

الحقيقة المرّة أنه بتتبع كم وكيف ما جرى من التشوهات والتزاحمات والصراعات على أرض وطننا ومنطقتنا، والتي وصلت لدرجات خطيرة وغير مسبوقة من التفسخ وضرب الثوابت وتغييب المعايير والانقياد وراء العصبيات المقيتة، فقد وصلنا لنتيجة أن الإخوة الذين تجمعهم منطقة واحدة وجغرافيا وتاريخ واحد ومصير مشترك، قد وصلوا للتقاتل وسفك الدماء على مذابح متعددة يجمعها الانكفاء على الداخل.

 

وهو للحقيقة داخل مليء بالمظالم والاستبداد، إلا أن كثيرًا منه كان من إفرازات مراحل ما بعد الاعتراف، وما غرزته في شعوب المنطقة من تشوهات كبيرة، وبدلاً من الرجوع بالقضية لجذورها، والسعي لتبني حلول جذرية ترفع أمّ المظالم من منطقتنا لترتفع معها أهم مسببات التشوه والزيف، يتم تبني حلول سطحية منقوصة تجعل قضية حشد الطاقات والإمكانيات هو حشد لمواجهة ذلك التيار أو تلك الفئة أو ذلك الفكر أو هذا المذهب أو هذا العرق أو تلك الجماعة، دون أي أفق واعٍ لأثر ذلك في طبيعة الصراع الحقيقية الوجودية الجارية، ودون حتى ملاحظة الأولية البدهية القائلة أن الاستغراق في الخلاف والعراك بين من يفترض أن يجمعهم كل شيء لمواجهة الدخيل ليس إلا خدمة لذلك الدخيل!!

 

وليس إلا تثبيتًا لوجوده بيننا بكل ما يحمله من شعارات عنصرية تشرعن عمليًّا لحق القوي في فرض سطوته وتحقيق أهدافه، ولو كان ثمنها الشرف والكرامة والقتل والتهجير!!

 

مما يعني موت هويتنا الإنسانية والدينية والقومية وغيرها من الدوائر التي تتقاطع مع ثوابت الحق والعدل والكرامة الإنسانية، فعندما تغيب تلك القيم تذوب معها الهوية، كما يذوب الملح في الماء وتتبقى المسوخ التي نراها ونسمعها في كل مكان لتعوي وتصرخ بموت الضمير الإنساني؛ مما يعني انتفاء كل أثر للإنسانية شيئًا فشيئًا.

 

في النهاية لا يملك من أدرك شيئًا من أبعاد القضية ويريد الحفاظ على ما بقي من إنسانيته ويهتم لأمر من حوله، إلا أن يصرح صرخة مدوية بلسان الحال والمقال وفي كل ركن من أركان داخله الحزين الغاضب، أو خارجه المتشظي:

 

“الموت لأصل الشر، وما تحمله لنا من قيم التفتت والتشرذم والضياع وغياب الهوية، ولكل من يساعدها على البقاء ويمدها بأسباب الحياة ليمتلك بواسطتها مقدراتنا ويتحكم في عقولنا ويسوقنا كالنعاج الضالة”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد