من أين يأتي ساراماغو بكل هذه القدرة على التحقير من شأن الكائن؟

يستعمل فيها ساراماغو «علبة أدواته» كلها مرة واحدة. ويغرس فؤوسه الحادة في لحم الحضارة الفاسد. «ص 6»

يطرح هذا الكتاب أسئلة لا حصر لها في علاقتنا بالزمن. فإننا نموت دائمًا في الأخير، فماذا لو توقف الموت عن قتلنا، وما معنى الموت أصلًا؟ ولماذا يتوقف الموت في الرواية عن القتل؟ حيث لا نجد لمدة الأشهر السبعة التالية في أي مكان أي ذكر لوفيات، فالناس كالعادة في حظيرتهم هادئون، ولا شيء يدعو إلى الذعر، لكن الأسئلة تتعمق، والناس يدخلون تدريجيًا في القلق، وتبدأ الحكومة في الخوف، وفي محاولة البحث عن الحلول لهذه المأساة الضاغطة، «فالحبل يحيط بعنقنا»، كما تقول إحدى الشخصيات.

تقرأ صرخة إحدى الشخصيات: «ماذا سيحل بنا الآن؟»، وتشعر بأن الموت كان رحيمًا بنا وهو يصبغ حياتنا بأحاسيس متنوعة، منها الفقد، ومنها الشوق، ومنها الأسى، وتتحسر على نعمة الموت حين كان هناك أناس يموتون.

تسيطر على الناس رغبة قتل أقاربهم ممن تقدم سنهم، يضجون بخلود العجزة، يتساءل بعض الأبطال «الموت أفضل من هذا المصير».

يخترق ذهنك صراخ الكائنات، «الموت أفضل»، «لا أريد ماءً، أريد أن أموت»، يمد لسان الزمان سمه إلى أوردتك، وتتمنى الموت مثل أبطال «ساراماغو».

تعتبر هذه الرواية من مراثي الموت الكبرى في تاريخ السرد، حيث يصبح الموت فيها منتهى آمال الناس وغاية غاياتهم، يقول أحدهم: «إذا لم نمت، فلا مستقبل لنا»، يضجون بخلود لا يفهمونه، وبجنة هي صورة أخرى لحياتهم البائسة، فيهرعون إلى الجحيم المحيط بهم، حيث ما يزال يؤدي وظائفه ذاتها، حاملين آباءهم المسنين وأمهاتهم ومرضاهم ليموتوا.

«يجب أن نموت لكي تستمر الحياة».

سأسأل جلالته ما الذي يفضله، رؤية الملكة الأم محتضرة إلى الأبد، ممدة في فراشها الذي لن تعود إلى النهوض منه، بينما الجسد الدنس يحتجز روحها دون وقار، أم رؤيتها تفوز في موتها بمجد السموات الأبدي المتألق.«22» *ماذا سنفعل بالمسنين إذا لم يعد الموت موجودًا ليقطع عليهم ولعهم المفرط بالحياة المديدة.

وإذا كنا نتفلسف؛ فلأننا نعرف أننا سنموت. «40»

أما نحن فسوف ننشغل بالأحياء، سوف ننظم، على سبيل المثال، فرق نفسانيين يساعدون الأفراد على اجتياز صدمة العودة إلى الموت بعد أن اقتنعوا بأنهم سيعيشون إلى الأبد. «ص 114»

وفي الساعة الثالثة والعشرين وخمسين دقيقة أصيب رئيس جمعية وكالات الدفن باحتشاء في عضلة القلب، ومات مع دقة الناقوس الأخيرة في منتصف الليل. «117»

فإذا علمنا أن البلاد التي يحدث فيها هذا كله، تضم حوالي عشرة ملايين نسمة، وأن معدل الوفيات يصل إلى عشرة بالألف تقريبًا. «119»

وهاهم الآن قد ماتوا، وأخرجوا من هناك ودفنوا، وصار هواء المستشفيات نقيًا وبلوريًا، يعبق بذلك الشذى المعروف من «الأثير واليود والكريولين»، كما في الجبال العالية، وتحت السماء المكشوفة. «ص 129»

ومع ذلك، سيكون هناك من يستبق فيرى أنه ربما لن تكون فكرة سيئة أن ترفع سن الموت التأميني إلى الخامسة والثمانين، وحتى إلى التسعين، باستغلال حياة الاضطراب المخيمة على المجتمع الذي هو الآن، أكثر من أي وقت مضى، محشور بين السيف والجدار. «ص 130» *فقد كانت مقتنعة منذ البداية بأن «أبطال الموت» لا يمكن له أن يكون إلا من عمل الشيطان.«133»

عزيزي السيد، يؤسفني إخبارك بأن حياتك ستنتهي خلال مهلة أسبوع التي لا رجوع عنها وغير القابلة للتمديد، فاستغل بأفضل ما تستطيع الوقت المتبقي لك، خادمتك المخلصة، «موت». «137»

تقدم التقاليد الشعبية الموت على هيئة هيكل عظمي لامرأة تحمل منجلًا طويل الذراع. «137»

واصلت المغلفات البنفسجية الوصول إلى بيوت المرسل إليهم، وكان واضحًا أن الموت لم يتراجع عن التزامه للبشرية.

الحقيقة أنه لا وجود في الدنيا لما هو أشد عريًا من الهيكل العظمي، ففي الحياة يكون مكسوًا بكسوة مزدوجة، أولًا اللحم الذي يغطيهن وبعد ذلك الملابس التي يجب أن يغطى بها ذلك اللحم، إلا عندما يخلعها للاستحمام أو لممارسات أكثر متعة. «158»

أما الموت، هذا الموت المخصص للجنس البشري حصرًا، فلا يرفع عينيه عنا لحظة واحدة، لدرجة أن من هم غير مؤهلين للموت يشعرون بأن نظراته تلاحقهم طوال الوقت. «160»

جميعنا نبدو لعيون الموت قبيحين بالطريقة نفسها، حتى في الوقت الذي كنا فيه ملكات جمال أو ملوكًا، ما يعادل ذلك بصيغة التذكير. «ص 186»

لقد كتب أحدهم أن كل واحد منا هو الحياة في اللحظة الراهنة، أجل، في اللحظة الراهنة، وفقط في اللحظة الراهنة، إنني راغب في أن يتضح كل هذا التشويش، فقد تعبت من الأسرار الغامضة. «218»

آخر فقرة: كان عود ثقاب بسيطًا، عود ثقاب عاديًا، عود ثقاب كل يوم، هو الذي أشعل رسالة الموت، هذه التي لا يستطيع أحد اتلافها، عادت «موت» إلى الفراش، احتضنت الرجل، ودون أن تدرك ما الذي كان يحدث، هي التي لم تنم قط، أحست أن النعاس ينزل جفنيها ببطء، وفي اليوم التالي لم يمت أحد. «ص 228»

وبعد فقد قارب «خوزيه ساراماغو» في هذه الكتابة الروائية المدهشة مع مفهوم الموت «الناعم القدري» الذي يأخذ أرواح العجائز الهرمين والمرضى الميؤس من علاجهم، أو الذين يموتون بغتة بأمراض فجائية، حتى إن «الموت» بدا كامرأة قد دخلت أخيرًا في علاقة عاطفية مع عازف «الفيولنسيل» المبدع «في آخر صفحات الرواية»، كما تعاطفت مع إبداعه الموسيقي وحياته اليومية وكلبه الوديع ولاحقته وراقبته متعاطفة، فألغت مشروع موته وأحرقت الرسالة الأرجوانية المرسلة له، بل نامت معه في حجرة النوم، بعد أن قدمت إليه فمها «ص 227/228»، ولم يتطرق الروائي المبدع ولو تلميحًا لقصص خبرات ما بعد الموت مباشرة التي تحدث عنها بعض الذين مروا بتجربة الموت مؤقتًا، ومؤخرًا شاهدت فيلمًا أمريكيًا يعبر بمبالغة عن هذه الحالات، حيث يقوم أربعة أطباء بإماتة أنفسهم طبيًا بقصد ثم يتم إنعاشهم، ليتحدثوا جميعهم عن رؤيتهم للنفق والضوء الأبيض ومشاهدتهم لجثثهم وحولها الآخرون، وبالغ هذا الفيلم «الفنتازي» وعنوانه «فلات لاينرز» وادعى تملك هؤلاء العائدين من الموت لمواهب «مشاهدة الأشباح واكتساب مواهب جديدة مثل العزف الموسيقي وزيادة القدرات العقلية»، كما تجنب الروائي الشهير الخوض في قصص الموت «الصعبة والمرعبة»، وأساليب القتل الشنيع المتنوع، فتجنب الحديث عن عمليات الإعدام والتعذيب والحرق، وقطع الرؤوس، وإطلاق الرصاص عشوائيًا، و«حوادث العمل والسير»، وتفجير السيارات والبشر، والمساجد والكنائس، والمدارس والأسواق، والمباني والساحات والأزقة فوق رؤوس أصحابها، كما تجنب الحديث عن المجازر والحروب والكوارث الطبيعية، كالزلازل والطوفانات، والتسونامي والانهيارات الأرضية «ربما لأن شخصية (الموت) المبجلة ستكون مشغولة جدًا حينئذ بأخذ أرواح الضحايا بشكل سريع وكاسح لا يسمح بالتأمل والهدوء وبإرسال (الرسائل) الأرجوانية المزوقة»؛ لأنه لم يرد كذلك أن يخوض في كل هذه الكوارث ولا بتداعيات قصص العصابات، والمتطرفين، والطائفيين الحاقدين، والمجرمين، وعسكرة الجيوش والميليشيات، ومشاريع «الجيوبوليتيك» المرتبطة بإشاعة الفوضى «الخلاقة واللاخلاقة»، وتقسيم الدول والمناطق، ولم يرد أن يدخل في متاهة «الرأسمالية المتوحشة والفاشية الدينية والعنصرية» التي تعبث جميعها بعالمنا التائه، كما بعمليات تجارة السلاح المشروعة وغير المشروعة؛ لأنه يعرف أنه سيدخل عندئذ في متاهة مرعبة ومتشعبة، قد لا يعرف ولا يستطيع أبدًا الخروج منها، ولا أعرف حقًا إن كان تجاهله «إيجابيًّا أم سلبيًّا»؛ لأنه أغفل جانبًا مهمًا من جوانب الموت اليومية «الكاسحة» التي تضرب بلا رحمة كوكبنا الأرضي البائس!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب
عرض التعليقات
تحميل المزيد