لماذا هناك تفاوت واضح في نسب الوفاة بين الدول ؟

المتصفح لأعداد الوفيات الناتجة عن فيروس كورونا المستجد COVID-19، يرى تباينًا واضحًا في نسب الوفاة بين البلاد التي ضربها الفيروس مثل الصين وإيطاليا، في هذا المقال سأحاول استعراض بعض الأرقام والإحصائيات التي قد تفسر هذا التباين.

 عند إجراء تحليل بسيط لأرقام الإصابات والوفيات في كل من الصين وإيطاليا نجد أن نسبة الوفاة بالصين نتيجة هذا الفيروس 4% تقريبًا، في حين نسبة الوفاة في إيطاليا 10% تقريبًا؛ أي أن إيطاليا تعاني من أكثر من ضعف نسبة وفيات الصين. وعند النظر إلى نسبة المرضى الذين بحالة خطرة نجدها في الصين 2% في حين أن النسبة بإيطاليا 5%.

إذن لماذا هذا التفاوت الواضح في نسب الوفاة والحالات الخطرة بين هذه الدول؟

عند الرجوع إلى تركيبة هذه المجتمعات قد نجد الجواب، ففي الصين مثلًا يشكل كبار السن ممن تتجاوز أعمارهم 65 عاماً 11% من السكان، في حين يشكل كبار السن 22% من سكان إيطاليا، أي ضعف نسبة كبار السن في الصين.

وإذا علمنا أن نسبة الوفاة من فيروس كورونا المستجد – كما معظم الأمراض – تزداد طرديًا مع عمر المصاب، حيث وبحسب دراسة صينية أجريت على المصابين بفيروس كورونا المستجد وجدت أن نسبة الوفاة أقل من 1% لمن هم دون الخمسين وتزداد نسب الوفاة بشكل غير خطي بعدها لتصل إلى 10% لمن تجاوز السبعين، ولأن معظم ضحايا الإصابة بهذا الفيروس هم من البالغين وكبار السن، ونسب الوفاة تزداد بشكل غير خطي مع تقدم السن، فهذا يفسر ارتفاع نسبة الوفيات في إيطاليا مقارنة بالصين.

فإذا افترضنا تساوي جودة النظام الصحي لدى كل من الصين وإيطاليا ودقة الأرقام الصادرة عن السلطات الرسمية، فإنه من المنطقي جدًا أن تجد نسبة الوفيات في إيطاليا أكثر من ضعف التي موجودة لدى الصين نظرًا لأن نسبة كبار السن في إيطاليا ضعف الموجودة لدى الصين.

وكما هو معلوم ،فإن الأمراض المزمنة تزداد نسبتها مع التقدم في السن، وبالتالي فإنه ليس غريبًا أن يحتاج كبار السن دخول المستشفى عند إصابته بأي وعكة صحية مقارنة بالفئات العمرية الأصغر الذين يحتاجون إلى العزل الصحي فقط، والتي يسهل تقديمها في مستشفيات مؤقتة أو فنادق مستأجرة تحت رعاية متطوعين أو ممرضين مع قليل من الأطباء، بعكس المرضى الذين يعانون من أعراض أشد وطأة مما يتطلب دخولهم مستشفيات مجهزة بكوادر مختصة وأجهزة متقدمة ويحتاجون لعدد كبير من الممرضين والأطباء المختصين بالعناية الحثيثة، وبالتالي فإنه من المتوقع مع تقدم السن ازدياد الحاجة لدخول وحدة العناية المركزة، وهذا يفسر ارتفاع نسبة المرضى الراقدين على أسرة العناية المركزة في إيطاليا مقارنة بالصين.

كما هو ملاحظ فإن أي تغير في ديمغرافية السكان الذين يصيبهم الفيروس سينعكس بشكل مباشر على نسبة الوفاة بشكل مستقل عن باقي المتغيرات، مثل جودة النظام الصحي العلاجي والوقائي والتدابير المتخذة لمكافحة هذا الفيروس. وأخيرًا إنني لا أزعم أن العامل الوحيد الذي يقرر نسب الوفاة هو ديمغرافية المرضى الذين يصيبهم الفيروس، لكنه بلا شك عامل مهم يجب مراعاته جيدًا عند قراءة الإحصائيات المتعلقة بوفيات فيروس كورونا المستجد.

عامل آخر يؤثر بشكل كبير على نسبة الوفيات، هو قدرة النظام الصحي على كشف الحالات في مرحلة الحضانة وكشف الحالات البسيطة، التي لا يظهر عليها كثير من الأعراض، فكلما زاد الكشف عن هذه الحالات كلما ظهر لدنيا انخفاض نسب الوفاة افتراضيًا، فمثلاً لو كان لدينا 150 إصابة فعلية بهذا الفيروس منها 5 وفيات، واستطاعت الدولة (س) أن تكشف 100 إصابة من أصل 150 وظهرت لديها خمس وفيات، بينما لم تتمكن الدولة (ص) من الكشف إلا عن 50 إصابة من أصل 150 إصابة فعلية لأي سبب كان، فستكون نسبة الوفاة الظاهرية لدى الدولة (س) هي 5% ونسبة الوفاة الظاهرية لدى الدولة (ص) 10% رغم أن عدد الإصابات والوفيات الكلي متساوٍ في كلتا الدولتين، إذن كما يظهر فإن مقدار التوسع بالفحوصات سينعكس بانخفاض نسبة الوفاة الظاهرية لكن ليس بالضرورة على نسبة الوفاة الحقيقية، وهذا يفسر انخفاض نسب الوفاة في كوريا الجنوبية وسنغافورة اللتين اعتمدتا سياسة التوسع في الفحوصات، مما جعلهما تسجلان معدلات وفاة منخفضة جدًا مقارنة ببعض الدول التي تشابههما في جودة النظام الصحي والتوزيع السكاني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد