مثل عشرات الفاعليات التي أحضرها بشكل روتيني أو تفاعلي معها، قابلني إعلان إحداها عبر منصات التواصل الاجتماعي، وشدني موضوع الطرح، كونه يتحدث عن التدريب على فن المناظرات، وكنت عائدًا لتوي من دولة الأردن وناقمًا على الوضع في بلادي الحبيبة وما وصل إليه، وهذه الفاعلية كانت بمثابة محاولة إخراجي من هذا الاكتئاب الذي كاد أن يسيطر علي، بعد قرار فردي بمحاول اعتزال العالم.

سجلت في الفاعلية وتم قبولي للتدريب أربعة أيام متتالية على «فن المناظرات»، تخللتهم ممارسات عملية على نماذج المناظرات المتعارف عليها عالميًا، ثم انقطعت عن المؤسسة ونشاطاتها فترة أو كنت أشارك على خجل وحسب وقت الفراغ.

لكن منذ الدخول إلى هذا المكان والاحتكاك أكثر بمن فيه، وأزعم أني في سني هذا «36 عامًا»، وبخبرة مشاركتي في أكثر من 100 تدريب لعشرات المؤسسات العالمية والمحلية، يمكنني التمييز بين الفاعليات الروتينية ومن يريد تغيرًا حقيقيًا في مجتمع عصي عن التطور ورافض لأي تنمية، رأيت في أبناء المؤسسة المنظمة للفاعلية حرص الشباب وخبرة الشيوخ ونضج الأربعيني وثقافة الخبير وأدب الرسل، وهنا قررت التواصل أكثر والمشاركة بقوة في أنشطة المؤسسة.

الأمر لم ينته عند فاعلية واستلام شهادة إتمام التدريب لتضاف إلى نظيراتها في مكتبي، القضية أكبر، وشباب المنظمة أرقى وصعب نسيانهم أو اعتبارهم مجرد محطة، هنا قررت العودة وبقوة لأكون أحد أبناء العائلة وهكذا وجدتهم، ينزلون الناس منازلهم، يحترمون الكبير ويعطفون على الصغير ويرحمون الضعيف وينشطون الكسول ويربطون على قلب المتردد ويشدون على أيدي البارعين، وحلمهم يتلخص في الوصول إلى «المدينة الفاضلة»، ومن هنا جاء اسمهم «فاضليا»، ويكفي الكلمة من رمزية تسحرك وتجعلك تذوب عشقـًا في كل تفاصيلها وأبنائها، وهم القوم لا يشقى بهم جليسهم.

«فاضليا»، تعرف نفسها أنها مؤسسة مجتمعية، غير هادفة للربح، تعمل في مجال تنمية المجتمع بهدف بناء المدينة الفاضلة في العشوائيات من خلال إقامة مشروعات ريادة أعمال اجتماعية تتميز بالتنمية المستدامة والتطوير المستمر، وتتلخص رسالتها في: تطوير العشوائيات من خلال؛ التنمية المستدامة لها، وإقامة ريادة أعمال اجتماعية بها، بمجهود متطوعين مهنيين منها، لبناء مجتمع المدينة الفاضلة لنا كلنا.

ورؤيتها حسب القائمين عليها، أنها تسعى لتكون أول حاضنة ريادة أعمال اجتماعية تعمل في المناطق العشوائية بهدف بناء مجتمع المدينة الفاضلة من خلال التطوير المستمر والتنمية المستدامة في مجالات الأهداف العالمية بحلول عام 2020.

لكن صدقوني الأمر أكبر من ذلك، وأرى أنهم ظلموا أنفسهم بهذا التعريف المختصر، هذا المكان يناضل من أجل «الإنسان» وتنميته وتطويره والحفاظ على مشاعره ومشاركته أفراحه وأتراحه، أبناؤه أصبحوا عائلة حقيقية، حتى المدرب هناك يناديهم بأولادي، يقضون أغلب الوقت مجتمعين هناك، ليس لعمل، لكن لأن القرب وحده يكفي، ويكفيك فعلا – لا مجاملة- أن تنظر إلى وجوهم وضحكاتهم، وقد راقبت ذلك بنفسي واكتفيت بدور المتفرج حتى سمحوا لي بمشاركتهم كل لحظاتهم الحلوة.

كل فرد فيهم قصة وحده، وكلهم مختلفون ومتفقون في آن واحد، ضحكاتهم وصفاء قلوبهم تجعلهم متشابهين، قوة حججهم وممارستهم للتناظر وفن الإقناع يبدو مختلفين، في وقت الشدة على لب رجل واحد، وفي وقت الرخاء كذلك، أصبحوا جزيرة أخلاقية غير منعزلة، يكفيك فقط المرور بجواره لتظل رائحتها وفضائلها عالقة بك، وشيء يجذبك لتكرر التجربة بزيارتهم مرة أخرى، ثم «تدمن» ذلك.

»أهل التناظر أحياء»، هذا شعار رفعوه وطبقوه، عايشوه واحترفوه، لذا فهم أحياء القلوب والأفعال والفضائل، أحياء التغيير والإصرار، لا يستولون دعمًا ولا يخضعون لروتين عقيم، صنعوا المدينة الفاضلة لكنهم لم يغلقوا بابها مرحبين دائمًا بضيوف جدد سرعان ما يذوبون في جمعهم.

لم أتعود في مقالاتي على مدح أو تمجيد أو الدعاية لمؤسسة، وهذه الكلمات بالفعل ليست كذلك، إنما هي دعاية لشباب فاضل حمل هم ومسؤولية التغيير معاندًا كل العراقيل والرياح المتربة، ثم ما كتبته عايشته، ثم ما كتبته لم يطلبه أحد مني وقد يكون مفاجأة لهم أنفسهم، لذا لا أعتبر مقالي هذا دعاية إلا لفضية أتمنى نشرها وترسيخها.

أهل فاضليا، يجسدون مجتمعًا خارجًا من حرب عالمية، لكنه يسعى إلى المثالية، شباب أرهقتهم ظروف بلادهم لكنهم لم يتسلل اليأس المجتمعي إلى قلب واحد منهم، ولو الوقت يطيل والسطور لكتبت عن كل واحد منهم، لكنهم وبحق عايشوا «الفضيلة» وطبقوها ومصرون على نشرها.

صدقني ما كتبته ليست مادة دعائية، على الأقل هي انطباعات لما ظهر لي حتى الآن، وعندما يتبين عكسه سأكتب أيضًا عنه وأعترف أني أخطأت التقدير، لكن فقط عليك الاقتراب من أهل «التناظر في فاضليا» ولو مرة، صدقني لن تعود، لن تيأس، لن تكتئب، لن تموت وأنت ما زلت حيًا، لن تكون ساذجًا، ستجد من يحترمك، فقط اسأل عن أهل «فاضليا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد