عقدت لجنة مواءمة التشريعات في وزارة العدل عددًا من الجلسات؛ لمناقشة مشروع قانون لإلغاء حبس المدين في القضايا الحقوقية. وجرت هذه النقاشات على ضوء مبادئ حقوق الإنسان الواردة في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية[1]. وهذا ما أكده الدكتور «عمار الدويك» مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، في الندوة المنعقدة في جامعة النجاح الوطنية بتاريخ25 فبراير(شباط)2020.[2]. تمخضت أعمال لجنة موائمة التشريعات عن تقديم مقترح إلى رئيس السلطة الفلسطينية بتعديل قانون التنفيذ الفلسطيني، وجاء تحرك اللجنة للحد من آثار إجراء حبس المدين، الذي يمس بحقوق وحريات شريحة كبيرة من أفراد المجتمع الفلسطيني[3]. الذي يعاني من الفقر والبطالة.

وجدير بالملاحظة أن المادة (11) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تحظر حبس أي إنسان لعجزه عن الوفاء بالتزاماته المدنية[4]. في حين يجيز الفصل الثاني من الباب الرابع من قانون التنفيذ الفلسطيني رقم (23) لسنة 2005 حبس المدين وتوقيفه لمدة ثلاثة أشهر للضغط عليه، للوفاء بالتزاماته.[5]. ومن هنا يبدو جليًّا التناقض بين القوانين الوطنية والقوانين الدولية التي تلتزم بها دولة فلسطين، ويترتب على مخالفتها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وللحيلولة دون وقوع هذه الانتهاكات أو استمرارها، كان لزامًا على المشرّع الفلسطيني أن يأخذ زمام المبادرة، ويوائم بين التشريعات المحلية ونظيراتها الدولية، وهو ما قامت به لجنة موائمة التشريعات الفلسطينية.

ولكن المشكلة أن هناك من يرفض تعديل النصوص التي تسمح بحبس المدين، بحجة أن ذلك يمس بالمراكز القانونية للدائن والمدين[6]. وهو ما يشكل خرقًا لمواثيق حقوق الإنسان، والتزامات فلسطين الدولية. وبما أن فلسطين ليست بمعزل عن التطورات القانونية والسياسية التي تدور في المنطقة، ولسعيها الدؤوب على مجاراة الدول الشقيقة والصديقة في مجال التشريع، فربما يسعى المشرع الفلسطيني إلى اللَّحاق بركب عدد من الدول مثل الأردن الشقيق، الذي تتعالى فيه الأصوات المنادية بإلغاء إجراء حبس المدين[7]. والإمارات العربية التي صادق مجلسها الاتحادي على إلغاء حبس المدين منذ عام 2014، وفي مصر أوقف حبس المدين منذ قرن من الزمان.[8]. فما هي مشكلتنا نحن الفلسطينيين مع إلغاء حبس المدين؟ ولماذا لا نلحق بغيرنا ممن سبقونا إلى احترام حقوق الإنسان؟

بداية، أود أن أنوه أن لجنة مواءمة التشريعات تناولت في نقاشها البدائل العملية لإجراء حبس المدين، ومدى توافق هذه البدائل مع الواقع الفلسطيني، من حيث تحقيق المنفعة الاقتصادية المتمثلة بتحصيل الديون، والمنفعة القانونية المتمثلة في تحقيق الردع العام والخاص.[9]. وقد يُهدئ هذا من مخاوف هذه المؤسسات، التي أبدت خشيتها من تراكم أعداد كبيرة من الملفات في دوائر التنفيذ في حال إلغاء حبس المدين، ومن احتمال لجوء البعض لاستيفاء الحق بالذات، وهذا سيساعد على تفشي الجريمة، وتصاعد مستويات العنف، ويؤدي إلى إهدار العدالة، ويشكل بدوره انتهاك آخر جسيم لحقوق الإنسان.

وجدير بالقول إن إلغاء حبس المدين لن يؤدي فقط إلى استيفاء الحق بالذات، كما حصل في الجريمة المروعة التي هزت كيان الشارع الفلسطيني، إثر مقتل مواطِنَيْن على خلفية ديون مالية، أحدهما من تلنابلس، والآخر من منطقة الخليل[10]، بل ربما يدفع إلى الاستثمار في الجريمة، من خلال شركات غير رسمية، مشكلة خلافًا للقانون، للعمل في مجال تحصيل الأموال، من خلال الابتزاز والتخويف والضغط والترهيب. ولن أستغرب إذا كان بين ظهرانينا منذ اللحظة، مثل هذه الشركات، التي تعتبر في واقع الحال عصابات تبتز المدين لصالح الدائن[11]، وتجبره على التنازل عن أمواله تحت التهديد دون مراعاة الإجراءات التي يفرضها القانون، مثل البيع في مزاد علني. وفي هذه الحالة، سيضطر المدين إلى البيع بثمن أقل، نظرًا لإرغامه وإكراهه بطريقة غير قانونية على فعل ما يمليه عليه الدائن، أو العصابة المنظمة التي تعمل لصالحه. في الحقيقة ليس هناك ما يمنع المدين نفسه من استخدام هذا الأسلوب مع الدائن، لإجباره على قبول تسويات ومصالحات لا تفي بالحد الأدنى من قيمة الدَّيْن المستحق له.

إن مقترح إلغاء حبس المدين يأتي في سياق الحديث عن البحث عن البدائل العملية لحبس المدين، ولكن يبدو لي من مجمل النقاش الذي دار في الندوة العلمية التي نظمتها كلية القانون في جامعة النجاح الوطنية، أن البدائل العملية المطروحة لحبس المدين تنحصر في إنشاء شركات تحصيل الأموال، وأعتقد أن هذا الخيار هو خيار جيد من وجهة نظر استثمارية؛ لما يترتب عليه من خلق استثمار جديد لرأس المال الفلسطيني، وفرص عمل جديدة للخريجين من حملة الشهادات، وهو ما سيؤدي إلى تنشيط الاقتصاد وتطويره. ولكن المشكلة في هذا الخيار تكمن أنه ليس هناك عدد كبير من المستثمرين الذين يستطيعون إنشاء شركات تحصيل الأموال، اللهم إلا فئة قليلة من كبار رؤوس الأموال والمتنفذين،الذين سيقومون باحتكار إنشاء هذه الشركات وإدارتها، وتمويلها؛ وهذا يعني في الواقع أن هذا الاستثمار سينحصر في فئة قليلة من الناس، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من تركيز الثروات في أيدي هؤلاء، وزيادة الفوارق الاجتماعية، والطبقية، نتيجة التوزيع غير العادل للدخل بين مختلف قطاعات الشعب الفلسطيني.

لكن الأهم والأخطر هو تأثير إلغاء حبس المدين على السلطة القضائية، ولا شك أن هذا الخيار سيؤدي من الناحية العملية إلى خصخصة نشاط يقع في صميم اختصاص القضاء، وهو الفصل في المنازعات الحقوقية. كما قد يشكل إنشاء شركات تحصيل الأموال التي ستحل محل دائرة التنفيذ إلى اغتصاب سلطة قضائية ممنوحة لدوائر التنفيذ بموجب القانون والدستورالنافذ. ولا يخفى على أحد أن خصخصة القضاء، أو اغتصاب سلطاته، يُعَدُ إخلالًا جسيمًا باستقلال القضاء، وهو من أخطر ما يواجهه قطاع العدالة في أي بلد؛ إذ سينصّب المستثمرون في شركات تحصيل الأموال أنفسهم خصومًا للمدين، لحلولهم محل المدين في تحصيل الدين، وحكمًا لحلولهم محل دائرة التنفيذ في تحصيل هذه الأموال، ولأنهم هم من يملون طريقة سدادها، وموعدها.

ولو ناقشنا تبعات إنشاء شركات تحصيل الأموال على الدائن والمدين، لوجدنا النتائج كارثية بالنسبة إليهما؛ فمن المعروف أن شركات تحصيل الأموال هي شركات ربحية، مثل باقي شركات القطاع الخاص، وهذا يعني أن هذه الشركات لن تقوم بتحصيل الديون برسوم رمزية، أو بسعر التكلفة كما يفعل القطاع العام، بل ستقوم باحتساب أتعاب، ونسبة معينة من قيمة الدين مقابل المخاطرة بتحصيل دين قد يصعب تحصيله، أو تم تقسيطه على فترة زمنية طويلة، وستحسب رسوم ومصاريف التحصيل، وأجور العمال والموظفين… إلخ. إن هذه التكلفة ستضاف إلى ذمتي الدائن والمدين على حد سواء، فلو فرضنا أن شركة تحصيل الأموال أوكِلَت بتحصيل شيك بقيمة 1000 دولار، فمن البديهي أن تدفع قيمة أقل للدائن، مثل رسوم ومصاريف مقابل تحصيل الشيك، وقد تتراوح هذه القيمة بين خصم ثلث إلى نصف (30: 50%) قيمة الدين، لتحقق الربح الذي تصبو إليه. وهذا يعني أن الدائن سيحصل على ما بين 500: 700$ كحد أقصى، وهو أقل بكثير من دينه الأصلي، وهذا انتقاص لحقوقه، وإخلال بمركزه القانوني، وإضرار كبير بذمته المالية.

وكما هو متبع في الدول – الإسكندنافية مثلًا – التي تتبنى نظام شركات تحصيل الأموال، ستضيف هذه الشركات ضعف المبلغ باعتباره إجراءً ضاغطًا على المدين لدفعه إلى المسارعة في دفع الدين، وعدم التأخر في الدفع، قبل أن يبدأ المبلغ بالتضاعف مرتين وثلاثة… إلخ. وهذا يعني في التطبيق العملي أن المدين بشيك قيمته 1000 دولار سيجبر على دفعه 2000 دولار. أما إذا تخلف المدين عن دفع هذا المبلغ فقد يتضاعف إلى 4000$ ثم إلى 8000$ وهكذا. وهذا يعني أن المدين سيتحمل مقابل وفاء أكبر بكثير من المقابل الذي التزم به عند إنشاء العقد، وهذا مخالف للعدالة والإنصاف، وانتهاك لحقوق المدين، الذي أجبر على دفع قيمة أكبر بكثير من قيمة ما حصل عليه من بضائع أو خدمات، وهو ما يعتبر إخلالًا جسيمًا بمركزه القانوني، وانتهاكًا لحقوقه، وإثقالًا لذمته المالية، ويتناقض مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان.

ولو أخذنا بعين الاعتبار الطريقة التي يتضاعف بها دين المدين، فإنه من المؤكد أن المدين سيصل إلى مرحلة يصبح فيها من المستحيل عليه أن يؤدي دينه. ولكن هذا لن يكون نهاية الطريق بالنسبة للمدين؛ لأن المطالبة بالدفع، ستستبدل بالحجز على الأموال غير المنقولة، وهذا سوف يدخل المدين في متاهة أكبر، لأنه من الممكن أن يطال الحجز بيته وأرضه، ويضطر إلى دفع أجرة عيشه فيهما لشركة تحصيل الأموال، إلى حين سداد الدين المتضخم. وهذا يضيف عبئًا آخر إلى أعباء المدين، وسيؤدي إلى فشل كثير من المدينين بتأدية التزاماتهم المدنية، مما سيؤدي إلى الحجز على أموالهم، ومصادرتها لصالح شركات تحصيل الأموال. وهذا بدوره يؤدي إلى المدينين العاجزين عن دفع ديونهم، بمتشردين لا يملكون شيئًا، ويعيشون على قارعة الطريق.

ولو نظرنا إلى نشاط شركات تحصيل الأموال من زاوية أوسع، لوجدنا أنها ستؤدي في الواقع العملي، إلى سلب المحامين من جزء كبير من أعمالهم التي يقومون بها، خاصة تحصيل الشيكات والكمبيالات وغيرها من السندات التنفيذية، وهو ما سيؤدي إلى خلق بطالة بين صفوفهم، والإضرار بمصالحهم، وتدني مستوى دخلهم، وهو ما يشكل انتهاكًا جسيمًا لحقهم في العمل والحياة الكريمة. وليس هذا فحسب، بل قد يصل الأمر إلى تقلص عدد المحامين والموظفين العاملين في دوائر التنفيذ، بحجة عدم الحاجة إليهم، مما يؤدي بدوره إلى زيادة معدلات البطالة، وتدني مستوى المعيشة، وربما عجز هؤلاء عن تسديد ديونهم وقروضهم، وهو ما سيدخلهم في متاهات مع شركات تحصيل الأموال.

وبناءً على ما سبق، يبدو لي أن هناك سببًا آخر غير معلن لإلغاء حبس المدين. وأن هذا الاعتقاد مسْتَندٌ إلى ما ساقه دعاة إلغاء حبس المدين من حجج، ألا وهو العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. فقد نص العهد المذكور في المادة (19) على حق الإنسان في حرية الرأي والتعبير، وأكدت المادة (2) على التزام كل دولة باحترام الحقوق المعترف بها في العهد، وقد جاء القانون الأساسي الفلسطيني متفقًا مع هذه الإرادة الدولية، وحظر في المادة (19) أي مساس بحرية الرأي والتعبير، وهذا ما جسده قرار محكمة النقض الفلسطينية رقم (526) لسنة 2019 الصادر بتاريخ 12 فبراير 2020م، والذي أكد حق المواطن الفلسطيني في حرية الرأي والتعبير، حيث فسخ قضاة النقض قرار قاضي صلح نابلس، الذي أدان مواطن ببث الأخبار الكاذبة، والتحريض، وإثارة النعرات الطائفية، وهي تهم توجه عند ممارسة المواطن لحقه في حرية الرأي والتعبير.

وهنا أود القول إنه لو كان الموضوع متعلقًا بحقوق الإنسان فقط، ولتحقيق فلسطين لالتزاماتها الدولية، لما كان هناك حاجة لاعتقال الصحفيين، والمدونين، والنشطاء الاجتماعيين، المحمية حقوقهم في المواثيق الدولية، والقوانين الوطنية. ولو عقدنا مقارنة بسيطة بين أي من الالتزامين الأولى بالتطبيق؟ هل هو الالتزام بعدم حبس إنسان لعجزه عن الوفاء بالتزاماته التعاقدية؟ أم هو الالتزام بعدم المساس بحرية الرأي والتعبير؟ لوجدنا أن حق المدين بعدم حبسه مَحْمِي بموجب العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية، أما الثاني الحق في حرية الرأي والتعبير، فهو مَحْمِي بموجب عدد كبير من المواثيق الدولية، وبموجب الدستور الفلسطيني، وبموجب قرارات محكمة النقض الفلسطينية المشار إليها أعلاه. وهذا يعني أن حماية الحق في التعبير أولى؛ لأنه يتمتع بعدة طبقات من الحماية الدولية والمحلية.

وبناءً عليه، فإنني أود أن أقترح على السادة الداعين إلى إلغاء حبس المدين، حفاظًا على حقوقه الآدمية والإنسانية، أن لا ينسوا، أو يتناسوا، حق الإنسان في حرية الرأي والتعبير؛ ولذلك فإنني أرى أنه من الواجب عليهم أن يضمنوا في اقتراح إلغاء حبس المدين، اقتراحًا آخر بإلغاء حبس الصحفيين، والمدونين، وإلغاء حجب المواقع الصحفية الإلكترونية بالجملة، لمساس ذلك بحقوق الإنسان، وحرياته.

إن حقوق الإنسان يا سادة، كل لا يتجزأ، ويجب أن يتم احترامها جملة واحدة، ولا يجوز الانتقاء منها بدون معيار واضح ومحدد؛ لأن ذلك قد يسيء إلى مكانة فلسطين على الساحة الدولية، خاصة أن دستورها يحث الهيئات الحكومية على الانضمام إلى المواثيق والمعاهدات الدولية. وإذا كنا سننضم إلى هذه المعاهدات، ولن نحترم ونطبق نصوصها مجتمعة، فما فائدة الانضمام إليها؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد