الإنسان الأطول عمرًا مات في النهاية

لعلها الحكمة التي لا يستطيع أعتى الفلاسفة مجادلتها. من بين ملايين الراحلين قليلون فقط هم من يعبأون بأن يتركوا أثرًا يخلد أسماءهم بعد رحيلهم، شخصيات استثنائية فقط هي التي تجبر البشرية على أن تنحني لها بتواضع حتى وإن رحلت، حتى وإن لم تكن رحلتهم في الحياة سوى رحلة قصيرة ومؤلمة؛ لكنهم حرصوا ألا تكون هذه الرحلة عابرة، وآثروا – قبل أن يغادروا – أن يتركوا بصمات تأبى الرحيل!

في حضرة الموت ربما يتفق بعضنا مع الأديب الروسي الأشهر دوستويفسكي حين قال في روايته «الأبله»: (يُخيَّل إلىّ أن الإنسان، حين يداهمه هلاك لا سبيل إلى تحاشيه، إنما يشعر عندئذٍ برغبةٍ لا تقاوم في أن يقعدَ مغمضًا عينيه، وليحدث ما يحدث!). لكن في أحيان كثيرة قد يجد هؤلاء الاستثنائيون أن اقتراب الموت هو إيذان ومؤشر لأن يكونوا أكثر تأثيرًا على حياة من هم حولهم؛ يعني لهم الأمر أنه قد حان الوقت كي يدفعوا الآخرين حولهم نحو الحياة دفعًا. قد لا تعني قصتنا هنا لكثيرين أكثر من مجرد منصة صغيرة أو كشك لبيع عصير الليمون، لكن هذه المنصة المتواضعة خلدت اسم صاحبتها التي استطاعت بجدارة أن تجعل موتها رائعًا!

بأيادٍ صغيرة مرتعشة، بالكاد تقف أليكس في حديقة منزلها باهتة الوجه وقد غادر الشعر رأسها دون عودة . أليكساندرا سكوت هي الطفلة الثانية من بين أربعة أبناء لأسرة إنجليزية، ولدت عام 1996، ولم تكد الصغيرة ذات الوجه الملائكي تتم عامها الأول حتى شُخصت حالتها بمرض السرطان من النوع الخبيث يسمى الورم الجذعي العصبي. تعاقبت الصدمات على والديها حين أخبروهما في عيد ميلادها الأول أنه حتى وإن هزمت أليكس معركتها ضد السرطان فإنه من الصعب أن تستطيع السير على قدميها أبدًا. بعد حوالي أسبوعين بدا وأن الصغيرة كان لها رأي آخر، فحين كان يداعبها والدها داعيًا إياها مازحًا أن تركله؛ لم يكد يصدق عينيه حين لمح حركة طفيفة من قدميها الصغيرة، كانت تلك الحركة الصغيرة بمثابة أولى الإشارات التي توحي بأن أليكس ليست مجرد طفلة عادية، وأنها لن تستسلم في معركتها بسهولة؛ فقد بدت شجاعة واثقة أكثر مما يحتمل عمرها وكأن عقلها الصغير يحوي أحلامًا كبيرة ملهمة بقدر الإنجازات التي سوف تحققها لاحقًا.

ها هي أليكس تقف بقدمين مقوستين لتطفئ شموع كعكة عيد ميلادها الثاني مخيبة آراء كل الأطباء باحتمالات عجزها الكامل، تزحف ببطء وراء دمية متحركة أهدتها لها والدتها، تعوض ضعف قدميها بابتسامة تسحر كل من يراها فلا يكاد يلحظ هذا العطب الطفيف، السعادة تغمر الأسرة التي وجهت كل ما تملك ماديًا ومعنويًا لدعم طفلتها كي تكتسب القوة التي تمكنها من مواجهة الضيف الثقيل الذي أبى أن يغادر جسدها النحيل، والذي عاد ليطرق بابها بعنف من جديد في غضون نفس السنة.

في عام 2000 لم تتمكن أليكس من أن تطفئ كعكة عيد ميلادها الرابع، فقد كانت على موعد مع عملية لزرع الخلايا الجذعية في عمودها الفقري بعد أن خضعت خلال العامين السابقين لخمس عمليات استئصال دون جدوى. ثمة أمر مختلف داخل غرفتها في المشفى عن مثيلاتها، فالجميع يتسللون إليها عابسين قد رسم الحزن علاماته الداكنة على وجوههم، ويخرجون منها بوجوه مضيئة وابتسامة كبيرة قد تمتد ما بين الأذنين، غريبة هذه الطفلةَ! فالموت يبتزها ابتزازَا لكنها لا تمل من أن تنثر البهجة على كل من وما حولها؛ السرير، والمنضدة، والمصباح، والستائر، والنوافذ، وأوراقها وألوانها ودمياتها الصغيرة المبعثرة؛ المشهد يبدو وكأن الموت والحياة مترافقان في هذه الغرفة منذ زمن سحيق في هدوء. حاولت أليكس أن تستنهض جسدها الهزيل بأمل المجتهد ثم وجهت صوتًا مرتجفًا أشبه بقارب صغير علُق بقلب عاصفة نحو شبه امرأة شاردة تحتسي فنجانا من القهوة بجوار النافذة، أخبرت أليكس أمها عما يدور في عقلها البريء، أخبرتها برغبتها عقب خروجها من المشفى أن تفتح منصة في فناء منزلها لتبيع فيها عصير الليمون، وأن يذهب ربحها لمساعدة الأطفال، رفقاء دربها الموحش المقفر. أخبرتها أن من حق هؤلاء الأطفال أن يساعدهم الأطباء أيضا كما ساعدوها. وبالفعل قامت أليكس بتحقيق حلمها بتدشين منصة لبيع الليمون في حديقة منزلها، على أن يذهب عائدها لصالح مرضى السرطان من الأطفال. واصلت أليكس معركتها الخاصة مع السرطان بشجاعة باهرة بالتوازي مع حلم مشروعها الخيري الذي لم يفارقها لحظة، وخلال هذه السنة تمكنت أليكس بمساندة أخيها الأكبر من جمع مبلغ قيمته ألفا دولار.

انتشرت بسرعة جنونية أخبار الصغيرة التي تصارع الموت بينما تساهم في الوقت ذاته في إنقاذ الأطفال الآخرين الذين يواجهون نفس المصير. جذبت قصة أليكس اهتمام الصحافة وتناقل الناس قصة أليكس متضامنين مع قضيتها بتدشينهم أيضا منصات الليمون التي يعود ربحها لدعم قضية أليكس ومشروعها الخيري. وبحلول عام 2004 تمكن مشروع أليكس الذي أصبح يحمل فيما بعد اسمها وفكرتها (Alex’s Lemonade Stand Foundation) من أن يجمع تبرعات بقيمة مليون دولار ذهبت جميعها إلى أبحاث سرطان الأطفال لكن العام نفسه شهد وفاة أليكس.

حقا لم تتمكن أليكس من أن تطفئ شموع كعكة عيد ميلادها الثامن، لكنها أشعلت جذوة أمل وعطاء لن تنطفئ، ففي شهر يونيو من كل عام يقوم آلاف المتطوعين بتدشين منصات لبيع عصير الليمون في جميع أنحاء العالم لجمع التبرعات فيما يسمى بـ”أيام الليمون السنوية». ليس هذا فحسب، بل أن مؤسسة أليكس وعلى مدار أكثر من عشرة أعوام استطاعت أن تدعم أكثر من 690 بحث علمي عن السرطان بما قيمته أكثر من 140 مليون دولار، وقامت بتنظيم العديد من الفعاليات من أهمها حملة المليون ميل والتي تهدف إلى رفع الوعي وجمع التبرعات للأطفال المصابة بالسرطان عن طريق قطع المتطوعين لمسافات يتخطى مجموعها المليون ميلا مشيا أو جريا والتبرع للمؤسسة في خلال ذلك.

ربما تكون أليكس قد خسرت معركتها ضد السرطان، لكنها كسبت قلوب البشرية جمعاء بلا منازع .. رحلت الطفلة الصغيرة ذات الثمانية أعوام وتركت إرثًا ملهمًا لمن في قلبه قبس من أمل ..رحلت بعد أن بعثت برسالة هامة للعالم أجمع، رسالة مفادها أن قوافل الراحلين لن تتوقف أبدا، لكننا لن نذكر منهم سوى هؤلاء الذين رحلوا بعد أن تركوا لنا بصمة لن تزول !!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد