تفاعلت الآراء حول الثورة السودانية «ديسمبر 2018» مع الزوايا القريبة التي لم تتجاوز السطح إلى شمولية النظر للراهن السوداني وفق جيوسياسية الدولة ككل وتأثرها بالعوامل الخارجية الإقليمية والعالمية، بل اقتصرت الانثيالات حول الثورة على النواحي المحلية البحتة التي لم تتعد البواعث الاقتصادية أو ذات الصلة السياسية الداخلية بالنظام الحاكم الذي عُرف بالمواجهة القمعية ومصادرة الحريات والحقوق خاصةً مع هبات كهذه.

وهذا التصور على قصوره يزداد أثره السالب بالوعي المتدني للنخب المجابهة للنظام والتي تدور مع العامة بعد أن تركت زمام المبادرة والتأثير وصارت تبحث عن أي موجة ترفعها فوق خط الهامش وتدفع خياراتها بديلًا للنظام الحاكم. وهي إذ تتبنى إسقاط النظام مطلبًا لها فكل ما نجحت في تقديمه للما بعد هو حكومة تكنوقراط مفترضة تتولى زمام الدولة، وهذا التصور رغم جاذبيته فهو بعيد عن الواقع ولن يُسمح له بالمثول واقعًا.

يُلاحظ الاستناد الشعبي للذاكرة الجمعية التي أرشفت ثورتين تم من خلالهما الإطاحة بحكومتين عسكريتين ومن ثم الافتراض على نطاق واسع أن الثورة الثالثة سيكون مرورها على ذات الخط. قد يبدو هذا التأطير منطقيًا في حالة حتمية تكرار التاريخ، ولكن ذات التصور يفقد منطقيته بالنظر للمياه الكثيرة التي مرت تحت الجسر العالمي والإقليمي، بل والمحلي نفسه بفعل السياسة التي انتهجها النظام طوال ثلاثة عقود.

اشترع النظام العالمي أُحادي القطب نظرية الفوضى الخلاقة التي صرحت بها وزارة الخارجية الأمريكية على لسان كونداليزا رايس في عام 2005 وهي استغلال الثورات الشرق أوسطية – إن لم يكن صنعها – لخلخلة الأوضاع القائمة وهدمها لبناء أوضاع أخرى تحقق ما أسماه بوش الابن بالشرق الأوسط الجديد، والذي ابتدر وضع أولى لبناته في العراق بتفتيته حسب طوائفه العقائدية. وتتالت ثورات الربيع العربي التي غذتها رغبة الجماهير في التغيير والتخلص من قيود القمع وحكم الدكتاتوريات لتلفى دولها في أوضاع أكثر تأزمًا لعبت في تأزيمها عدة قوى خارجية، وأصبح بعضها ساحات لحروب وكالة وتصفية حسابات ودُمرت بنيتها التحتية وعاش إنسانها تحت ظروف أسوأ من التي خرج مطالبًا بتغييرها.

عندما كانت الدول العربية تحت عصف ثورات الربيع في العام 2011 بدا السودان هادئًا بفضل الريع البترولي وحالة الرخاء إلى حد ما. بينما تم في نفس العام فصل جنوب السودان وبهذا تحقق الجزء الأول من مخطط برنارد لويس الذي أجازه الكونجرس الأمريكي عام 1983 ويُعتبر أصل مشروع كونداليزا رايس للفوضى الخلاقة. وبدلًا من أن ينتبه النظام لفداحة الأمر أعلن عن مكسب زائف كون الجزء الشمالي يوافق أيدلوجيته وبذلك يسهل قياده كما ورد على لسان البشير!

هذا الدفع اللافت لرصد المحيط الذي سبق السودان في الثورات منذ 2011 يُقابَل بفرضية أن السودان يختلف عن الدول العربية كما يقول أغلب الناشطين، وهنا فالقراءة الداخلية للساحة السودانية بمعزل عن التفاعلات الخارجية هي نفسها – هذه القراءة – لا تُوحي باستقرار يعقب سقوط نظام عزز خلال ثلاثة عقود العنصرية بحيث تم نسف قومية الدولة، وتكونت أجهزة نظامية مسلحة إما مؤدلجة بالكامل أو ذات إثنيات معينة، ومقابلها حركات مسلحة تناهض النظام على مستوى سياسي، وإثني كذلك مع امتداد أجندتها للخارج بصورة مُعلنة. وهذا ما عبر عن جانب منه خليل إبراهيم المنشق عن النظام الحاكم في كتابه الأسود عن إجحاف الأنظمة منذ الاستقلال في توزيع السلطة والثروة. فلا يمكن تجاهل مثل هذه الترسبات في أعقاب سقوط النظام.

كذلك لا يمكن إغفال عمل النظام بكفاءة في صنع العداوات مع دول الجوار منذ أيامه الأولى، ومحاولاته إسقاط أنظمة مجاورة عسكريًا كما حدث مع نظام إدريس ديبي في تشاد، وفي ليبيا كما صرح بذلك البشير وما زال يمد أذرعه في الداخل الليبي حتى اليوم. وبمحاولات الاغتيال كما حدث مع حسني مبارك 95 ودعم الإخوان المسلمين في عهد مرسي. وبدعم المعارضة للأنظمة المناوئة للنظام في حدوده الشرقية والجنوبية، وصلته السابقة بجيش الرب في مكايداته للنظام اليوغندي، مع كل هذه التدخلات في الشئون الداخلية لدول الجوار يصبح اعتبار أن الشأن السوداني غير قابل للتدخلات من ذات الأنظمة ذات القيمة التي لا تعضدها وقائع الأمور.

رغم التهدئة التي قام بها النظام في الآونة الأخيرة مع دول الجوار فهي قائمة على خطوات تكتيكية وليست استراتيجية فأيدلوجية النظام السوداني مصنفة في أجندة دول الجوار باعتبارها مشروعًا عدائيًّا، وبفرض سقوط النظام فالمخالب المجاورة لن تفوت فرصة التدخل لتنصيب نظام آخر يصب في المجرى الذي تراه مناسبًا لأنظمتها.

ورغم أن هذا السيناريو يجب أن يكون على محمل التأكيد والجزم فالإشارات إليه غائبة حتى من التابعين للنظام لعدم المساس بمشروع النظام وذكر أخطائه في توقيت كهذا. وأقصى ما تم الإشارة إليه هو اتهام إسرائيل بتثوير الشارع عبر عناصر قامت بتدريبها، وتجاهل الحدود السودانية الأريترية القريبة المغلقة منذ أشهر لأجل إقامة القاعدة العسكرية «ساوا» لتدريب عناصر الحركات المسلحة بالقرب من الحدود باعتبارها خطوة تهديد مصري – أريتري تلوح بعدم ترحيب مشترك بالذراع التركي الذي وصل إلى الموانئ السودانية على البحر الأحمر.

بالعودة للثورة فالشواهد تدل على تماسك النظام – بصورة مؤقتة – ونجاحه في تثبيت أركانه بالقوة المفرطة وفتح النار لصد الهبة وكبت صوتها، ويبدو واضحًا التفاف أجهزته الأمنية المؤدلجة والإثنية حوله لالتقاء مصالح الطغمة وتقاطعها عند نقطة واحدة هي كبت الثورة بشتى السبل ترغيبًا وترهيبًا. وبفرض نجاح النظام في هذه المرحلة فديسمبر ليس إلا فاتحة لثورات قادمة مع معدل التضخم المتصاعد الذي فجّر الثورة قبل أن يصل لمعدل الخطر المعتمد عالميًا، وعنده تغلب الندرة والغلاء المفرط وهبوط العملة المحلية بصورة متسارعة.

خلاصة، أغلب القراءات للثورة رسمتها ذات نمط إنتاجي سيحصد رغدًا رغم أن الدولة المنهارة ريعية حتى النخاع. وهذه قراءات تحتاج للتعضيد في ظل راهن يمضي نحو الهاوية على كافة الأصعدة داخليًا، ومعرض بصورة مؤكدة لمخططات ترسيم خارجية لا يمكن إغفالها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السودان
عرض التعليقات
تحميل المزيد