(1)
“العقلُ للنسيان والقلبُ للأبد” لا أتذكر سواها من حلمٍ طويلٍ أعتقد أنه كان مليئًا بالأحداث المأساوية التي دفعت النفس للحالة ضاد جيم في نهاية الحلم.

كانت ليلة باردة، تذكرني بشتائنا، وقتها قررت أن أدير الكاسيت على أغنية اعتدت سماعها في غيابك كلما أرهقتني الوحدة، ربما لإحياء الذكرى، أو البكاء على أطلالها، أو ربما طمعًا في استقطاب بعض الدفء الذي هجر المكان بعد الرحيل.

أدرتُ “الكاسيت” وأنا في قرارة نفسي أدّعي الصمود والرغبة في استكمال الشريط حتى آخره، لكن – كالعادة- توقفت عند نفس النقطة “لكنّي بحتاجلك ساعات، لما الشتا يدق البيبان”.

الوحدة مميتة يا عزيزتي، والبردُ قارص، والشتاءُ مُحرّض على الحنين والذكريات، والحلمُ كل ليلة لا يتغيّر أثره مهما تبدلت أحداثه.

من أين يولد النسيان والذكرى في القلب لا تموت! وعطرُك في الأنفاس لا يزول ريحقه!

(2)
ــ معقولة السنين دي كلها ولسة معلقة معاك؟!
ــ دايمًا كده في الشتا، مش عارف ليه صورتها بتجيلي في الأحلام وأنا باكل الأيس كريم!

(3)
هذا هو ديسمبر، يقلبُ الذكريات ويداعبُ الوحدة بنسماتٍ من روحِ الماضي، يستحضرُ كل أوجاع السهر، و”يطبطبُ” على قلوبنا بأملٍ قريبٍ نشم رائحته، قريب حد الوريد، هو الرغبة في الحياة وسط أفكار الموت ودوافع الانتحار التي تحاصرنا كل ليلة.

رقصة تجمع عاشقين تحت المطر فوق أنقاض الحروب وعلى أصوات القذائف وأضواء الانفجارات، أو نظرة من شرفات النجوم على ملائكة يتمايلون فرحًا كلما سمعوا أصداء قبلات الأحبة، أو شاهدوا أحضانهم الدافئة في ليلِ الشتاء البارد، رغم بطش أصحاب النفوذ وزنازين الديكتاتور.

الشيء وضده، ساعة الصفر وكلمة السر، ومكان التسليم والتسلم، لحظات التجلي في الليل والنظر لساعات طويلة في السماء على اتساعها، علها ترسل إلينا مددًا يهوّن علينا أوجاعنا، وأفكار الشك التي تصيب نفوسنا المريضة بآلام الوحدة والفقد، الشك في كل شيء وسط تساؤلات “ليه سايبهم يعملوا فينا كده؟! – ولحد أمتى؟!”.

(4)
أضواء نيون الإعلانات أنا
كل الحاجات والراديوهات أنا
مليون نظام والبال سيكام أنا

(5)
ديسمبر يا عزيزتي، يشبه “سيف” تمامًا، بأحلامه المتجددة المتعطشة لانتصارٍ قريبٍ مهما بلغ اليأس محله، طامحًا في بلوغ قمة الهرم لدرجة تدفعه لتكرار المحاولة عشرات المرات رغم آلام البؤس والوحدة.

خفيفٌ، كنسمات الشهر، وغاضبٌ بما يكفي لتدمير معنويات قبيلة، لكنه قادر على ترويض روح الشر وتحويلها لكتلة نشاط منتجة خارج حسابات الواقع المحبطة، كشمس ديسمبر الدافئة البعيدة كل البعد عن قسوة يونيو ويوليو.

راغبٌ في بداية جديدة تنجده من صخبِ العالم وزيف المشاعر، حتى لو بدا في أول العام تائهًا متعسرًا بين التجارب، إلا إنه مع آخر مشهد يمنح نفسه قدرة ديسمبر على التجاوز وغلق الملفات القديمة كتمهيدٍ لنورٍ جديد.

“بدريّة” الحائرة بين الرغبات الماديّة وبينه، لا تصلح للحب، و”فتاة الأيس كريم” لا تعرف حتى معناه، بينما في آخر الممر ابتسامة “آية” المرابطة على أعتاب قلبه، في انتظار إذن الدخول، وقتها يفتح ذراعيه ليضمها ويمنحها قُبلة هي الحقيقة الوحيدة الباقية في سلسال الكذب والنفاق، قُبلة تشبه في قوتها وجاذبيتها قبلات الأحبة في الساعة الثانية عشرة “صفر” ليلة الكريسماس.

(6)
“وهعاند أيوة هعاند دايمًا من غير تسليم”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد