اللامركزية بالمعنى العام ليست وليدة مغرب اليوم. ولا تعني بالدقة والوضوح مرامي اللامركزية في أدبيات الفلسفة الليبرالية كنوع من التخصصات الإدارية والاستقلالية المحلية في جوانب اقتصادية وثقافية. بل المقصود هنا من الفكرة البسيطة كنوع من الاستقلالية المحلية عن الإدارة المركزية في زمن القبيلة. وبالطريقة التي قال عنها العلامة عبد الرحمن ابن خلدون. تدبير الأمور الخاصة بالمجتمع القبلي المحدد بالعدد والجغرافية بعيدًا عن المركز. وفي فترة الاستعمار كذلك.

هذا النوع من التقسيم خلق علاقة تضاد بين عالم المدينة والبادية. وبين بلاد السيبا وبلاد المخزن. وذلك يتنافى ومنطق اللامركزية في التقسيم الإداري والجهوي. فالمغرب لم يعرف انطلاقة هذا النوع من اللامركزية إلا مع صدور ظهير 30 سبتمبر 1976. حين تقرر نقل الصلاحيات الإدارية من المركز إلى الأطراف في الأقاليم والعمالات المختلفة. في إخراج الجماعات المحلية بوصفها مؤسسات تابعة للمركز. ومفوضة في بعض الاختصاصات المحدودة لأجل تقريب الإدارة من المواطن. وتسهيل عمل الدولة في ضبط المجال ومراقبته.

فاللامركزية الإدارية من جهة تبدو قفزة مميزة في توزيع المهام على المنتخبين في الجماعات المحلية. ونوع من التدبير ومعالجة مشاكل محلية. اللامركزية منظومة إدارية وأداة فعالة في تحديث المؤسسات. وتوزيع للأدوار بين الدولة والمؤسسات المحلية. تلك الصلاحيات الموكولة تجعل من القرارات آنية وفورية دون انتظار مساطر وإجراءات من المركز خصوصًا في قضايا الشأن المحلي دون القضايا السيادية. والقوانين البيروقراطية المثقلة بهاجس الأمن وتعقيد المساطر الإدارية. وما يتعلق بالإجراءات التشريعية.

لا بديل في الاستقلالية الفعلية عن قرارات المركز. وتجاوز منطق الوصاية بأنواعها. وصاية المشروعية ووصاية الملائمة. أشكال الوصاية المهيمنة على المؤسسات المحلية يضاعف الرقابة خصوصًا على الميزانيات المحلية ومشاريع الاستثمار. وانتظار المصادقة على القرارات. وتفعيلها من المركز. الأمر الذي يستدعي التساؤلات عن قوة وحدود سياسة اللامركزية في المغرب.

إن سياسة التدبير المحلية في دول غربية منها فرنسا وألمانيا تمنح فرصًا أكثر للمؤسسات المحلية في بلورة مشاريع ومخططات تنموية. وتقدم الدولة مساعدات مالية في شكل منح أو تخفيض من الضرائب. وتشجيع الاستثمار. وبناء الوحدات الصناعية ومراكز تجارية وسياحية وغيرها من المرافق العامة والمؤسسات في تحفيز الناس على الاستثمار. فدور الدولة المراقبة وتفعيل القوانين في حالة عدم الالتزام بالمخططات المأمول تحقيقها في الواقع العملي. يعني المواءمة والتوازن بين القطاعات الحيوية.

دلالة التجربة المغربية في مجال اللامركزية وعدم التمركز ناجحة في الجانب الإداري نوعًا ما. ويشوبها عوائق ذاتية وموضوعية لأنها غير شاملة. مكبلة بقيود الوصاية والرقابة. فالترسانة القانونية مهمة في نقل الصلاحيات وتوسيع هامش الحرية والاستقلالية في العمل. هو ما يمنح التجربة المغربية الصدارة في منح الصلاحيات للفاعل المحلي المنتخب في تدبير وإدارة المؤسسات المحلية. من أربعين سنة في صدور الظهير الخاصة باللامركزية.

والمغرب في سعي حثيث نحو تعزيز الفكرة وترسيخها في العمل المحلي والمؤسسات العاملة في ربوع المملكة. فالمحلل السوسيولوجي والفاعل الاقتصادي والناشط في مجال الجمعيات يدركون قيمة الانتقال في العمل والتدبير المعقلن للقطاعات الحيوية. دون الفصل بين الاقتصادي والاجتماعي. وبين السياسي والإداري. فلسفة متكاملة غير منفصلة عن جوانبها الهادفة في تنمية مستديمة. وفي عملية الإقلاع وحل المشاكل العالقة بحسن التدبير. وتحفيز الاستثمارات والعناية بالرأسمال البشري في عملية مستمرة من التنظيم والتنمية الجهوية. تحولات اللامركزية الإدارية من التقسيم القديم للتقسيم الجهوي الجديد. يدل على قفزة نوعية في تمكين الناخب المحلي من تدبير شؤونه. ودور المركز في تعزيز منطق المحاسبة وفق القوانين المنظمة. وبناء على الربط بين المسؤولية والمحاسبة كما يشير دستور 2011. في ربط تام بين المسؤولية والحرية في التدبير. وبين آلية الرقابة والمحاسبة.

رهانات اللامركزية في المغرب القضاء على الفوارق الطبقية وتحقيق المساواة بين المناطق الجغرافية. دون بقاء التنمية في المركز ومحصورة في خطوط معينة. الرباط. الدار البيضاء والقنيطرة. فاللامركزية إستراتيجية عالمية في تدبير الشأن المحلي وتدبير القطاعات الحيوية والتقليل من جهد الدولة المركزية. رهانات معقودة في بلوغها وتمكين الفاعل المحلي من حسن التسيير.

مرجعية اللامركزية الفكر الليبرالي والتوجهات العالمية في تدبير مستلزمات المواطن وتحقيق التنمية المحلية. وحرص المغرب من خلال الخطاب الرسمي والفاعلين في الحق السياسي والاجتماعي على تبني سياسة التدبير المعقلن. في رهانات المغرب هناك ارتباط متين بين اللامركزية والجهوية الموسعة والحكامة. ميثاق اللاتمركز أصبح ضرورة ملحة. وفكرة استعجالية في تقليص الفوارق بين الجهات. وتكريس المواطنة الحقيقية بدون الميل نحو جهة بذاتها.

وإن كانت السياسة المغربية اتجهت نحو تشييد أقطاب اقتصادية أخرى، فإن الأمر هنا يتعلق بمناطق ذات الاستثمارات العالية. ثمرة عوامل تاريخية وقرب جعرافي من الغرب. الشأن هنا ينطبق على طنجة. في إطار الجهوية الموسعة تمنح الصلاحيات للجهة في تدبير أمورها الاقتصادية والاجتماعية بعد الكشف من سنوات التجارب في ميدان التدبير الإداري. وسياسة التمركز في جهة معينة والارتباط الأحادي بالرباط المركز. فالجهوية الموسعة تطوير للجهوية المتقدمة. وشكل من الاستقلال الذاتي في تدبير القطاعات والمجالات. وحل معضلة البطالة وتحفيز المجال التنموي دون رقابة مباشرة ووصاية. لجان وهيئات تراقب العمل للفاعل المحلي، وتضع عليه واجبات ومسؤولية يحملها. تفويض المهام في ذاته نوع من التكليف للفاعل. وتمرسه في العمل السياسي.

فالجهوية الموسعة والحكامة خطوات في تكريس اللامركزية. في صنع القرار على المستوى المحلي. وتدبير الأمور الخاصة التي تعني البحث عن متنفس للجهات بعيدًا عن الوصاية المباشرة. وتدفق الرأسمال المحلي دون تحويله نحو جهات معينة وإلا يتزايد الشرخ بين المناطق وتتعمق الطبقية. ويبقى الفرق عميقًا بين الخطاب والممارسة. هنا يميل الخطاب الرسمي نحو الدوافع الواضحة في نهج الحكامة والثبات على الجهوية الموسعة. في ميل الفاعل السياسي لوضع اللمسات الأولى للامركزية في سلطة القرارات المشتركة. فالخيارات الاستراتيجية في تدبير القطاعات الحيوية لا مفر من تحقيقها في مغرب الألفية الثالثة.

من الأسباب الاستعجالية للرفع من الأداء والمرودية للنخب. وتقريب الإدارة من المواطن وتنمية مجالية متكاملة. وفي المصادقة على القوانين التنظيمية والمراسيم لأجل التنزيل والتفعيل والتتبع من جهة أخرى. أقطاب متكاملة الأنشطة. من الصناعة للفلاحة والتجارة والسياحة. قوة الجهات في عقلنة الثروة الطبيعية والاستثمار في الطاقات البشرية. التي تحتاج للتكوين والتأهيل والخبرة.

وهذا يجعلنا نتكلم عن الحكامة الجيدة. التي ما فتئ الخطاب الرسمي ينادي بتحقيقها في عقليات وطاقات قادرة على تطبيق المراسيم وتفعيل القوانين. طاقات متمرسة في العمل الحزبي والجمعوي والنقابي. أطر تتحمل المسؤولية في حسن التدبير. دعوة صريحة في تطبيق للديمقراطية التشاركية. والتدبير المعقلن للموارد وعملية التوافق والملاءمة في البرامج والقرارات التي ترمي إلى تحسين جودة العمل والمنفعة. قراءة في المعطيات الاقتصادية والأوضاع الاجتماعية والربط المتين بين المسؤولية والمحاسبة. فالحكامة تقتضي بالضرورة فاعلين وشركاء. وحركة دينامية للبحث عن الموارد.

إذا كان المغرب يتريث كثيرًا في نقل الصلاحيات الواسعة من المركز للأطراف فإن الأسباب واضحة في وجود عوائق ذاتية وموضوعية. ومنها ما يتعلق بتمثل المفاهيم الواردة من سياق مجتمعات صناعية. وعالية التنمية والمردودية. مجتمعات غربية استوعب فلسفة اللامركزية وتمرست في الأعمال الاجتماعية. واستوعبت الثقافة الليبرالية من المدرسة والأسرة، وبالتالي فهي مستعدة لأداء جيد. مفيد في التطور والتقدم على صعيد الجهات.

المغرب يراهن في الخطاب السياسي الرسمي على مفاهيم من قبيل الحكامة الجيدة والجهوية الموسعة واللامركزية والديمقراطية التشاركية ودولة الحق والقانون في انتقال سريع نحو جدارة هذه الفلسفة. والرؤية العامة الهادفة نحو التخفيف من المركزية والتمركز نحو نقل الصلاحيات اتجاه الأطراف في سياسة التدبير والتسيير للشأن المحلي الخاص بالجهات بعيدًا عن الرقابة والوصاية.

فالحكامة أسلوب ممارسة السلطة والتدبير الرشيد للموارد الاقتصادية والاجتماعية وحسن التسيير للجماعات المحلية. فالحكامة تعني صيانة الحرية والمساءلة الفعلية للفاعل. والشفافية والحفاظ على المال العام وتحقيق استقلالية القضاء أي أن الحكامة تؤدي إلى تحقيق اللامركزية غير منفصلة عن مجموعة من الشروط السائدة في المجتمع الديمقراطي. وفاعلية المجتمع المدني والقوانين الوضعية. ودور المواطن في التدبير وتحقيق التنمية.

يسعى المغرب بكل قوة في الخطاب الرسمي إلى تفعيل مقتضيات المراسيم والقوانين المعمولة في نقل الصلاحيات من المركز نحو الجهات الأخرى. فجاء التقسيم الترابي موزعًا بين 12 جهة نتيجة رؤية استراتيجية بعيدة المدى في القضاء على الإشكالات المتعلقة بميادين مختلفة خصوصًا الجانب الاقتصادي والأزمة الاجتماعية. ولعل الطموح يوازيه عراقيل وعوائق جمة تتعلق بالرغبة والإرادة السياسية للكل في تفعيل القوانين وتمكين الفاعل من الموارد والليونة في الإجرءات من قبل التتبع والمصاحبة. أما العائق الواضح فهو القضاء على الفساد والشطط في استعمال السلطة والتحايل على المال العام وإصلاح القضاء وتفعيل دور الرقابة ولجن تقصي الحقائق وهيئات المجتمع المدني. رؤية لا بد أن تتحقق في القضاء على الاختلال. والحد من المشاكل الاجتماعية المتفاقمة.

فصعوبات الانتقال الديمقراطي والبطء في تنزيل القوانين. وعدم اكتمال نضج الفعال السياسي. وعوائق أخرى جعلت المغرب يكتفي باللامركزية الإدارية بينما في الواقع اللامركزية الشمولية كاختيار هادف يظل يترقب فيه المواطن الشروط لإنجاح التجربة. فالأوراش الكبرى والانفتاح على الآخر واستلهام التكنولوجيا. وتفعيل بنود الدستور والقوانين المنظمة للجهوية الموسعة والعناية بالتعليم والتربية يقلل كثيرًا من الأزمات. ويكرس اللامركزية كفلسفة شمولية في التدبير والتسيير.

وهذا ما ينص عليه مبدأ التدبير الحر المنصوص عليه في الفصل 136 باعتباره أهم تجليات الحكامة الترابية في دستور 2011 في تحقيق مرامي اللامركزية. أما مهمة السلطة المركزية المساعدة والمصاحبة والتشاور دون وصاية. ودون تدخلات مباشرة من قبل العمال والولاة. وفي العمل قوانين منظمة للتخفيف من سلطة المركز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد