مع اقتراب الانتخابات النيابية في لبنان، فتحت جامعة «الحكمة» ملف اللامركزية الإدارية الموسّعة مع معالي الوزير الأسبق زياد بارود، الذي عمل على المشروع منذ عهد الرئيس السابق ميشال سليمان.

آنذاك، تم إطلاق كُتيب اللامركزية الإدارية «الموسعة» الذي لم يمر على مجلس النواب بعد. فيما وعد المرشح شامل روكز على اللائحة نفسها مع الوزير الأسبق تبنّي هذا المشروع، وأخذه إلى المجلس النيابي في حقيبته كما حذا حذوه النائب إبراهيم كنعان. ماذا عن القانون الحالي الذي يلحظ اللامركزية منه، أي عمل البلديات وقانون البلديات الذي سبق وعملت وزارة الداخلية مع الوزير الأسبق بارود خلال كتيب المائة سؤال على تفعيله، دون لفظة «موسعة» من العبارة؟

يجيب العضو في المجلس الدستوري والأستاذ في جامعة القديس يوسف في القانون وعلم الاجتماع، أنطوان مسرة، عن هذا سؤال مع مباشَرتنا نشر الأوراق البحثية النظرية والميدانية تباعًا حول صعوبات التطبيق للقانون الحالي والاقتراحات.

خلاصة القانون الحالي -وفق مسرة- في جانب كبير منه لا مركزي وغير مطبق بكل جوانبه، وطرح قانون جديد ستقع عليه العقبات السابقة نفسها؛ لذا اقترح مسرة إنشاء لجنة برلمانية تتابع عملية التطبيق للجديد -إن أُقر- كما هي حال الدول المتقدمة.

مرتبطة فاعلية القوانين بعناصر غير القانون الوضعي وفق مسرة، وهي: توازن القوى بالمجتمع، القدرات الإدارية والمالية للدولة، وضع القضاء والثقافة السياسية السائدة في المجتمع.

لدى مسرة أسئلة كثيرة، يملك أجوبتها باعتباره باحثًا، ومن جملة هذه الأسئلة: هل التعاميم المتعلقة بالبلديات موحدة ومجموعة في وثيقة واحدة يمكن الرجوع إليها؟ قطعًا لا؛ إذ يتم التلاعب في القانون الحالي عبر التعاميم، وذلك خلال تطبيقه، فتلك تناقض بعضها وبعض الأحيان تعاميم تناقض القانون الأساسي، والمسؤولون عن البلديات يطبقون التعاميم.

من المؤكد حتى الساعة أن اللامركزية تغير في علاقات النفوذ في المجتمع، غير أن الخطورة في نظام لا مركزي تكمن في انحراف نظام اللامركزي في لبنان إذا لم يترافق مع ثقافة لا مركزية ومواطنية ومحلية، فينتقل لبنان من «مركزية المركز» -على حد تعبير مسرة- إلى مركزية اللامركزية، فيسيطر بذلك رؤساء البلديات والمخاتير وزعامات وإقطاعيات محلية، وهذه لطالما كانت شكوى اللبنانيين وما زالت؛ إذ الطابع العائلي والإقطاعي يطغى على الحياة السياسية في لبنان لهذا السبب، مما يعيق وصول الخدمات إلى المناطق؛ لأن سلطات محلية مهيمنة عليها.

الحل برأيه في تنمية ثقافة المشاركة والمبادرة من قِبل المواطنين المحليين، غير أنه كيف يكون للمواطن دور في حين أن لبنان مقسم وفق ألوان طائفية، وفق اللون الأكثري، ويأتي قانون اللامركزية الإدارية الموسعة على استتباب هذا الواقع بالشق الاجتماعي منه في القوانين، فلا يعود سوء التفاهم الذي حصل في ضيعة «المعيصرة» حيث الأغلبية من الطائفة الشيعية قدمت مفتاح كسروان، كهدية إلى السيد حسن نصر الله، مثلًا مرّ على عدم الفقه بقوانين الاتحاد البلديات ولا بالأصول كما مر على رفض الأكثرية من لون ديني واحد لأقلية من لون ديني مختلف، على الرغم من وجود ورقة تفاهم سياسية بين حزب الله والتيار الوطني الحر.

لا يعني ذلك أن مسرة ضد اللامركزية، فهي قضية واردة باتفاق الطائف، وهو مسار ديمقراطي عالمي، وليس مطلوبًا أن يكون لبنان متراجعًا عنه، ولكنه يجب أن يعالج قضية اللامركزية في التطبيق فـ«نكون لا مركزيين فكرًا وسلوكًا»، فلا تهزأ الجارة من جارتها إذا اعتبرت الاهتمام بنظافة الشارع من السلوكيات المرتبطة بالمواطنة، ولا تفترض زميلتها أن لديها طموحًا سياسيًّا ما؛ لأنها تعتقد أن هذه التصرفات «البسيطة» دون غاية، وتغير في الحياة اليومية، من أفضل ممارسات المواطنية.

لكن هل لبنان قادر على أن يشبه شارعًا من شوارع لندن ببساطتها؟ الأكيد أن روح المواطنة تنتعش فترة الانتخابات في كل الضيع اللبنانية فيعود للزراعة، ونظافة الشوارع أهميتها دون أن تصل إلى مستوى «الخدمات» إلا من جيب المرشح.

فماذا سيستفيد شامل روكز -إن صار نائبًا- من مشروع اللامركزية الإدارية «الموسعة» ما كان سيفيده القانون الحالي مطبقًا؟ سؤال برسم رؤساء البلديات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

لبنان

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد