مشكلات وتحديات الاقتصاد الصيني

تمكنت الصين من بناء اقتصاد عالمي أصبح المنافس الأبرز لاقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية، كما استطاعت الصين تحقيق طفرات اقتصادية كبيرة، حيث احتلت المرتبة الأولى عالميًّا في التصدير وأصبحت تسمى بمصنع العالم، فضلًا على أن اقتصادها يعد من أسرع الاقتصادات نموًّا بين بلدان العالم، ونشير هنا إلى أن الصين حققت هذه القفزات الاقتصادية بعد تحولها نحو النظام الرأسمالي.

تعتمد الحكومة الصينية في شرعيتها على ما تحققه من نمو وتقدم اقتصادي، وتواجه الصين اليوم عديد التحديات الاقتصادية، والتي نذكر منها:

– تبني الصين للرأسمالية دون الديمقراطية يخلق مشكلة مستعصية تضرب في عمق النظام الشيوعي وتعصف بشرعيته؛ إذ كيف يمكن للصين تبرير تبني الاقتصاد الرأسمالي، الذي يتعارض مع الأيديولوجية الشيوعية؟

تواجه الشركات الصينية عديد المشاكل والتحديات في الغرب بسبب علاقتها بالحكومة الصينية، ومن بين الشركات التي تواجه متاعب في الغرب نجد شركة الاتصالات الصينية العملاقة «هواوي»، حيث عجزت الشركة عن تشغيل أجهزتها دون التقنية الأمريكية، بعد العقوبات التي فرضها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على الصين.

– تآكل النمو بفعل انخفاض اعتماد الدول المتقدمة على الاقتصاد الصيني من خلال الاعتماد على القدرات الذاتية لهذه الدول بعد انتشار جائحة كورونا، بالإضافة إلى الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، فضًلا عن فقدان الثقة في النظام الصيني، الذي أخفى حقيقة الفيروس، مما تسبب في انتشاره بسرعة في مختلف دول العالم وخلف خسائر فادحة في الأرواح ونتج منه ركود اقتصادي عالمي.

– انخفاض تنافسية الاقتصاد الصيني تدريجيًّا، فخلال السنوات الأخيرة أدى ازدياد النمو الاقتصادي إلى ارتفاع مستوى دخل الفرد الصيني، ومن ثمَّ فإن استمرار النمو سوف يؤدي بالتبعية إلى ارتفاع مستويات الدخل أكثر فأكثر، ومنه ارتفاع أجور عمال المصانع والشركات العاملة في الصين، مما يعني ارتفاع تكلفة اليد العاملة، وبالتالي ارتفاع أسعار البضائع الصينية وانخفاض تنافسية الاقتصاد الصيني عالميًّا.

– اعتماد التكنولوجيا الصينية على نظريتها الأمريكية، وهذا ما دفع الإدارة الأمريكية لمنع بيع بعض التقنيات والشركات الأمريكية للصين من أجل ألا يكون الإنتاج الصيني التكنولوجي مكتملًا، وهذا ما يلاحظ أيضًا في قطاعات أخرى، فالصين تستورد 30% من إنتاج شركة «بوينج» الأمريكية للطيران.

– اعتماد نمو الاقتصاد الصيني على التصدير والطلب الخارجي، بدلًا من اعتماده على الطلب الداخلي والاستهلاك المحلي.

مؤشرات ضعف النظام الصيني

المؤشر الأول: الاستعداد للهروب

خلصت دراسة أجراها معهد «شنجهاي هورون» إلى أن حوالي 64% من أثرياء الصين الذين خضعوا للدراسة إما هاجروا وإما يخططون للقيام بذلك، بالإضافة لإرسال أبنائهم ليدرسوا بالخارج بأعداد غير مسبوقة، فضلًا عن شراء الممتلكات بالخارج بكميات غير مسبوقة، وعملهم على تخزين أموالهم في شكل أصول بالخارج، فعندما يهرب عدد كبير من نخبة البلد أغلبهم من أعضاء الحزب الشيوعي، فهذا يُعد إشارة لعدم الثقة في مستقبل النظام، بل مستقبل الدولة ذاتها.

المؤشر الثاني: القمع

بعكس سياسة الرئيس الحالي «شي جين بينج»، التي تعتمد على القمع وإسكات المعارضين، اعتمد سلفاه «جيانج زيمين» و«هو جينتاو» سياسة تهدف للانفتاح التدريجي مع بعض الإصلاحات السياسية الحذرة، حيث عملا على: تقوية لجان الحزب المحلية وأجريا تجربة للتصويت لأمناء الحزب في انتخابات تعددية، جذب عددًا أكثر من رجال الأعمال والمثقفين داخل الحزب، وتوسيع دائرة الاستشارات الحزبية لجماعات خارج الحزب، جعل إجراءات المكتب السياسي أكثر شفافية، وتحسين طرق تلقي ردود الأفعال والتقييمات بداخل الحزب، وإنشاء نظام للترقيات يعتمد على الجدارة والاستحقاق، بالإضافة لتنظيم دورات تدريبية إجبارية لـ45 مليون كادر في الحزب والدولة، وكل هذه الإصلاحات جاءت بعد أن استنتجا دروسًا مختلفة من الانهيار السوفيتي.

منذ توليه السلطة في الصين عام 2012، قادة الرئيس الصيني «شي جين بينج» حملة صارمة على المجتمع المدني، حيث شدد سيطرة الحزب على الإنترنت ووسائل الإعلام والبنية الأساسية الأمنية، وشمل القمع الممنهج عديد الفئات منها: الصحافة، وسائل التواصل الاجتماعي، الجماعات الدينية، المفكرين، سكان التبت والإيجور، المحامين والحقوقيين، المعارضين وطلاب الجامعات، وقد أرسلت اللجنة المركزية بالحزب الشيوعي أمرًا تنفيذيًّا، تطالب فيه كل الأفراد بالوشاية عن أي تأييد ظاهر للقيم العامة للغرب بما فيها: الديمقراطية الدستورية، المجتمع المدني، الصحافة الحرة والاقتصاد النيوليبرالي.

إن أي حكومة لن تقوم بهذه الحملات القمعية الشديدة لو كانت قوية ومستقرة، وهذه الفوبيا من القيم الغربية تُظهر جليًّا أعراض القلق العميق وانعدام الأمن لدى قادة الحزب الشيوعي.

المؤشر الثالث: الفساد والمكافحة الانتقائية

يخيم الفساد على الحزب الشيوعي وعلى المجتمع الصيني ككل، نعم حملة السيد «شي» لمكافحة الفساد أقوى من الحملات السابقة، لكن ليس هناك حملة تستطيع مواجهة هذه المشكلة، لأنها ضاربة بشدة في جذور نظام الحزب الواحد، وبسبب طبيعة النظام الصيني الشمولي، الذي يتميز بالمحسوبية، والافتقاد التام للشفافية في الاقتصاد، وسيطرة الدولة على وسائل الإعلام، وغياب الفصل ما بين السلطات وتحكم الحزب بالقضاء.

هذه المؤشرات تدل على تصدع النظام الصيني، ولا يمكن ترميم هذا التصدع، إلا من خلال طريق الإصلاح السياسي، وحتى ترخي الصين قبضتها عن التحكم الاستبدادي بالسياسة، فلن يكون لديها أبدًا مجتمع مُبدع واقتصاد قائم على المعرفة، كما كان هدف المؤتمر الثالث للإصلاحات، فالنظام السياسي أصبح العائق الرئيسي للإصلاحات اللازمة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي. فإذا لم يرخِ السيد «شي» وقادة الحزب قبضتهم فربما يذهبون بالتحديد لما أرادوا تجنبه في المقام الأول.

فيروس كورونا ومساءلة الصين

اتهم الرئيس السابق لجهاز المخابرات البريطاني «جون ساورز» السلطات الصينية بخداع العالم وإخفاء معلومات جوهرية عن انتشار فيروس كورونا عن دول العالم، مطالبًا بضرورة محاسبتها، وقال ساورز: إن من الأفضل إلقاء المسؤولية على الصين وليس منظمة الصحة العالمية، وأضاف في حديث لهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي): أن هناك غضبًا شديدًا في أمريكا إزاء ما يرون أنه ضرر أُلحق بنا جميعًا على يد الصين، وتتهرب الصين من تحمل جزء كبير من مسؤولية ظهور الفيروس والإخفاق في التعامل معه في البداية.

واتهم الخبير في الشؤون الدولية «مجدي خليل» الحكومة الصينية بالتعتيم وتغييب الحقائق، وحمّلها مسؤولية انتشاره في مختلف دول العالم، وقال بأن سياسة الصين منذ بداية الأزمة ساهمت في تضليل العالم لمدة شهرين، حيث إنه في الوقت الذي منعت فيه السلطات الصينية انتقال المواطنين من مدينة «ووهان» إلى أرجاء البلاد باعتبارها مصدر انطلاق الوباء، سمحت لهم بالسفر إلى الخارج حاملين معهم هذا الفيروس رغم علمها بكونه مميتًا، وقال إن المسؤولين الصينيين كذبوا على الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حين قالوا له إن الأمر تحت السيطرة ولا يشكل أي خطر.

وواجهت الصين اتهامات كثيرة بإخفاء الحقائق حول الوباء، لكن الحكومة الصينية ترفض تلك الاتهامات، مؤكدة أنها تتحلى بالشفافية حول الإعلان عن حيثيات انتشار الفيروس. وحمل الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» الصين مسؤولية انتشار الفيروس في 180 دولة حول العالم، واتهمها بالتستر على الفيروس ودعا إلى مساءلتها دوليًّا.

خدعت الصين العالم بإخفاء حقيقة الفيروس، وبذلك تسببت بحدوث كارثة عالمية، حيث خلف كورونا أكثر من أربعة ملايين حالة وفاة و185 مليون مصاب حسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية، بالإضافة إلى خسائر مادية فادحة بتريليونات الدولارات، ويُذكر أن الصين لها تاريخ سيئ في تصدير ونشر العديد من الأوبئة والفيروسات في الماضي، مثل: فيروس سارس عام 2002 وفيروس إنفلونزا الخنازير (H1N1) سنة 2009.

ينبغي مساءلة الصين عن الفيروس وتحميلها مسؤولية انتشاره في مختلف دول العالم، حيث خرج أكثر من 5 ملايين شخص من «ووهان» إلى خارج الصين مع بداية الأزمة، وذلك حسب تصريحات عمدة «ووهان» الصينية، لهذا يجب إجبار الصين على دفع الفاتورة هذه المرة وألا تنجو بفعلتها كما في حصل في الماضي، وينبغي أيضًا للعالم أن يحذر من كل ما يأتي من الدولة الشيوعية، خاصة فيما يتعلق بالأمراض والأوبئة، وكما هو معلوم، فالصينيون معروفون عالميًّا بثقافتهم الغذائية القذرة، فهم يأكلون كل ما يتحرك ويمشي على الارض، أضف إلى ذلك طبيعة النظام الصيني الذي يتميز بسياسة القمع والتعتيم، وبذلك يتبين لنا مرة أخرى، أن النظام الصيني لا يمثل خطرًا على شعبه فحسب، بل هو خطر على العالم بأسره، وينبغي بالفعل مواجهته والتصدي له.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد