أزمة الشيوعية في الصين

توقع القليل من الخبراء الغربيين تفكك الاتحاد السوفيتي قبل حدوثه في عام 1991، بل قبل ذلك كان يتم السخرية ممن يتحدث عن انهيار الدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية، ويُنظر إلى ذلك على أنه مجرد أحلام من كارهي الاشتراكية، حتى حدث هذا بالفعل، وكما حدث مع الثورات الملونة في دول الاتحاد السوفيتي السابقة جورجيا وأوكرانيا وكزاخستان بين عامي 2003 و2005، وأيضًا انتفاضة الربيع العربي في عام 2011، كلها تغيرات وأحداث لم يتوقعها أحد.

يتعين على الباحثين وصناع السياسات الذين أعجبوا بما حققته الصين منذ عام 1978، أن يدرسوا الجبهة الداخلية والدولة العميقة الصينية، بحثًا عن علامات تُنذر بتغيرات واضطرابات مستقبلية، ففي عام 1993 حذر الباحث تشارلز فيربانكس، في مجلة «ناشيونال إنترست» بعنوان (الموت الغريب للشيوعية السوفيتية)، من أنَّ الكثيرين قد أغفلوا التدهور الذي عانى منه الاتحاد السوفيتي لفترة طويلة، لأنهم لم يركزوا على فقدان الاتحاد السوفيتي للشرعية الأيديولوجية بين نخب الحزب الشيوعي.

بم أن الشيوعية فشلت في حكم القوميات المتعددة في الاتحاد السوفيتي سابقًا وتسببت في انهياره، لهذا نقول إنه لا يمكن لنظام وضعي مخالف للطبيعة وللفطرة البشرية أن يستوعب المجتمع الصيني متعدد القوميات والأديان، فضلًا أن يستمر هذا النظام الشيوعي، الذي يكفر بالديمقراطية وحقوق الإنسان ويدار بعقلية الحزب الواحد في حكم الصين في عصر العولمة والانفتاح.

ويبدو أن الرئيس الصيني، شي جين بيج، أكثر قوة من أسلافه، لكن حكمه أكثر هشاشةً وضعفًا، ولقد واجه الحزب الشيوعي الصيني منذ فترة طويلة أزمة تتعلق بالشرعية وتأخير عملية الإصلاح، بيد أن عملية التحول التي شهدتها الصين إلى دولة بوليسية متطورة، قد تعجِّل من تداعيات هذه الأزمة. ونعتقد أن نهاية الحكم الشيوعي في الصين لن تكون هادئة ودفعة واحدة، بل ستكون نهاية عنيفة، وستحدث بشكل تدريجي، وأن سياسة السيد شي التي تعتمد قاعدة «مقاومة التغيير بدلًا إدارته»، سوف تقربنا أكثر فأكثر من هذه النهاية، لكن حتى يبدأ انحلال النظام بشكل علني وواضح للجميع، فسيظل من يديرونه من الداخل يعملون على أن يوجدوا مظهرًا خارجيًّا مستقرًا. والحزب الشيوعي الصيني هو ثاني أطول الأحزاب عمرًا في الحكم بعد كوريا الشمالية، ولا يستطيع حزب واحد الحكم للأبد.

ربما تعيش الشيوعية في الصين أيامها الأخيرة؛ إذ من غير المعقول أن تستمر دولة بحجم الصين بكل تناقضاتها بنظام مخالف للطبيعة وللفطرة البشرية، صحيح أن الصين أصابت عندما تبنت الرأسمالية نظامًا اقتصاديًّا ومن خلالها استطاعت تحقيق نجاحات اقتصادية كبيرة، مكنتها من إشباع الحاجات المادية للصينيين (أكل، شرب، ملبس…) وتأجيل ثورة 1.4 مليار من البشر، لكن دوام الحال من المحال، لأنه من غير الممكن استمرار الصين في هذا التناقض باتباع الرأسمالية اقتصاديًّا في ظل نظام سياسي شيوعي يكفر بالقيم الديمقراطية ويدار بعقلية الحزب الواحد.

إن تبني الصين للرأسمالية دون الديمقراطية يخلق مشكلة مستعصية تضرب في عمق النظام الشيوعي وتعصف بشرعيته؛ إذ كيف يمكن للصين تبرير تبني الاقتصاد الرأسمالي، الذي يتعارض مع الأيديولوجية الشيوعية؟ هذا من جهة، بالإضافة إلى أنه كيف للصين أن تحكم قوميات مختلفة ومتعددة في عصر الانفتاح في ظل هيمنة الحزب الشيوعي الواحد على الحياة السياسية والاجتماعية؟ هذا من جهة أخرى.

قلنا آنفًا إن الصين وصلت إلى مظاهر الحضارة ولم تصل بعدُ إلى جوهر الحضارة، فمثلًا نجد أن الغرب استطاع غزو العالم بثقافته، أفكاره، لغته، قيمه، أفلامه، لباسه وطعامه، في حين لا وجود للحضارة الصينية خارج حدودها، بعبارة أخرى مظاهر التطور الاقتصادي والتكنولوجي التي تأتينا من الصين، ما هي إلا فقاعة صابون لن تلبث طويلًا حتى تنفجر وتكشف للعالم حقيقة النظام الصيني المتصدع من الداخل، والذي لا يعكس بطبيعة الحال مظهره المتماسك من الخارج.

لدى الصينيين حكمة تقول «wai ying, nei ruan»، وتعني «قاسٍ من الخارج، ولين من الداخل»، نعم الرئيس الصيني، شي جين بنج، حاكم قاسٍ حقًّا وهو شديد الثقة والاعتداد بنفسه. لكن هذه الشخصية القوية بذاتها تعتمد على حزب ونظام سياسي هش جدًّا من الداخل، ويأمل الرئيس شي في أن القيام بحملات مضادة على المعارضين والمنشقين وعلى الفساد سيطيل عمر النظام والحزب الشيوعي في الحكم، وهو مصمم على تجنب أن يكون «ميخائيل جورباتشوف الصين»، وهو الرئيس الذي انهار وتفكك الاتحاد السوفيتي في عهده، ويعمل على ألا ينهار الحزب في عهدته. لكن بدلًا من أن ينتهج سياسة إصلاحية مخالفة لسياسة جورباتشوف، فهو مستمر في استبداده وتسلطه على المجتمع الصيني، لهذا ربما ينتهي به المطاف للنتيجة نفسها، وهو ما يعني الاقتراب أكثر من نقطة الانهيار.

قال الشاعر أبو البقاء الرندي:

لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ *** فَلَا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إنْسَانُ

هِيَ الأمُورُ كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ *** مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءتْهُ أزْمَانُ

وهذهِ الدارُ لا تُبْقي على أحدٍ *** ولا يدومُ على حالٍ لها شانُ

انفجار الفقاعة الصينية واستمرار الحضارة الغربية

حدَّث المستورد بن شداد (رضي الله عنه) في مجلس كان فيه عمرو بن العاص (رضي الله عنه): أنه سمع النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس». فقال له عمرو بن العاص: أبصر ما تقول، أي: تأكد هل سمعت هذا من الرسول، قال: أقول ما سمعت من الرسول. قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالًا أربعًا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وأرحمهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك». صحيح مسلم.

هذا الحديث صحيح السند وواضح الدلالة، تتطابق دلالته مع الواقع الذي نعيشه، ويتكون الحديث من جزأين: أحدهما يقرر فيه الرسول حقيقة أن الروم سيكونون أكثر الناس يوم القيامة، وهم الغرب بلغة العصر، والأكثرية هنا لا تعني العدد فحسب، ولكنها تعني القوة والتفوق والتقدم العلمي والتقني والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. أما الجزء الثاني من الحديث فلم يقله رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولكنه تفسير اجتماعي/سياسي من عمرو بن العاص لأسباب تفوق الغرب.

ولخص عمرو بن العاص أسباب تفوق الغرب في خمس خصال هي:

1- إنهم لأحلم الناس عند فتنة: أي إنهم لا ينفعلون بسرعة حتى لو كانت الدنيا مشتعلة حولهم، فلا تذهب عقولهم، ولا يطيش فكرهم.

2- وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة: أي إنهم ينهضون بسرعة من أي مصيبة أو كارثة تصيبهم بالمقارنة مع الشعوب الأخرى.

3- وأوشكهم كرّة بعد فرّة: أي إنهم سرعان ما يستعيدون قوتهم ويبادرون خصومهم بالهجوم السريع بعد أي هزيمة تلحق بهم.

4- وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف: فهم من أكثر الشعوب تحقيقًا لمبادئ الإنسانية، ومن صور ذلك الاهتمام بالفقراء، الضعفاء، المرضى، وذوي الاحتياجات الخاصة.

5- وأمنعهم من ظلم الملوك: أي أنهم لا يسمحون لحكامهم بأن يستبدوا ويطغوا في الأرض، بل يواجهونهم ويمنعونهم من أن يظلموا شعوبهم، وهذه الخصلة كأنها عمدة جميع الخصال، فهي صمام الأمان للشعوب، وبدونها لا ينتفع المجتمع بالخصال الأخرى، وتفقد الأمم تماسكها فتضعف جبهتها الداخلية، ومن ثمَّ تُنتهك حقوقها وتنهار الدول.

لقد أحسن عمرو بن العاص في تحليله لأخلاق وصفات الشعوب الغربية، حيث درس نفسيات وتفكير هذه الشعوب وانطلق منها في التعامل معها، ثم ربط بين أخلاق هذه الشعوب وبين قوتها وتفوقها عند قيام الساعة، ثم إن عمرو في إضاءته الدقيقة ربط هذه الظاهرة، التي هي ظاهرة بقاء الغرب وتفوقه إلى قيام الساعة، ربطها بالسنن الكونية التي لا تقع اعتباطيًّا، وهذه السنن وضعها الله تبارك وتعالى في الكون تسير وفق نواميس وقوانين أدق من قوانين الرياضيات والفيزياء، لهذا مثلًا: العدل والعلم صفات مهمة من تحلى بها ظفر، ومن تخلى عنها خسر، صحيح أن قادة الغرب قساة وظلمة مع الشعوب الأخرى، لكنهم يعاملون شعوبهم بمنتهى العدالة والإنسانية، لذلك هم أقوياء، ولهذا نقل شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: السياسة الشرعية عن جمع من أهل العلم أنهم يقولون: الدنيا تصلح بالكفر والعدل ولا تصلح بالإيمان والظلم، وإن الله تعالى ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة.

نستفيد من هذا الحديث فيما يخص موضوعنا، أن الحضارة الغربية ستكون المهيمنة والمتفوقة عند قيام الساعة وليست (الحضارة الصينية)، وعند إسقاط أسباب تفوق الغرب على الصين، نجد أن هذه الأخيرة لا تملك مقومات الحضارة، حيث نجد أن الحكومة الصينية حكومة قمعية استبدادية تحكم بالحديد والنار ولا تقيم أي وزنٍ للعدل وحقوق الإنسان، فضلًا على أن الشعب الصيني في عمومه شعب يتميز بالخنوع والخضوع للحكام الظلمة والمستبدين بعكس الشعوب الغربية، التي لا تقبل بالظلم ولا تسمح للحاكم بأن يطغى أو يستبد، بالإضافة إلى ذلك يفتقد الشعب الصيني إلى الكثير من الخصال الحضارية التي تتميز بها الشعوب الغربية كخصلة الإنسانية والاهتمام بالضعفاء والمحتاجين، حيث لاحظنا كيف وقفت غالبية الشعب الصيني إلى جانب الحكومة الصينية في سياستها العقيمة ضد أقلية الإيغور المسلمة، فضلًا عن عدم مساندتهم لمطالب سكان تايوان وهونج كونج التي تنادي بالحرية والديمقراطية.

وفي الأخير نقول بأن من سلبيات الغرب أنهم لم يشاركوا ما بنوه من حضارة مع الشعوب الأخرى، لكن لا يختلف عاقلان على أن قيادة الصين للعالم سوف تكون أسوأ بكثير من قيادة الغرب، فالصين دولة شيوعية تؤمن بالقمع والاستبداد وتكفر بالديمقراطية وحقوق الإنسان وتعامل مواطنيها كالصراصير، فإذا كانت الصين تضطهد شعبها كما نلاحظ ونشاهد، فهل نتوقع منها أن تتعامل بإنسانية مع الشعوب الأخرى؟ وماذا يمكن للصين أن تصدِّر للعالم غير الديكتاتورية، الأمراض، الظلم، القمع والاستبداد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد