شهدت الصين عملية تحديث سريعة منذ قيام «دنغ شياو بينغ» سنة 1978 بانتهاج سياسة الانفتاح وتطبيق مجموعة من الإصلاحات على الحزب الشيوعي، واستطاعت على مدى عقدين امتدا حتى عام 2011 المحافظة على معدل نمو اقتصادي مكون من رقمين، وتمكنت من بناء اقتصاد عالمي أصبح المنافس الأبرز لاقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية، حيث احتلت المرتبة الأولى عالميًا في التصدير وأصبحت تسمى مصنع العالم، فضلًا عن أن اقتصادها يعتبر من أسرع الاقتصادات نموًا بين بلدان العالم، ونشير هنا إلى أن الصين حققت هذه القفزات الاقتصادية بعد تحولها للنظام الرأسمالي.

لا يستطيع عاقل إنكار الإنجازات والنجاحات التي حققتها الصين، خاصة خلال العقدين الأخيرين. لكن السؤال المطروح هو: هل تستطيع الصين مواصلة هذه المسيرة بنفس الوتيرة وقيادة العالم بعد إزاحة الولايات المتحدة كما يتوقع البعض؟

يتطرق هذا المقال بأجزائه الثلاثة لأهم مؤشرات تصدع النظام الصيني، ويتناول أهم الأسباب التي تحول دون تربع الصين على العرش العالمي، ومن المعروف أن النظام الصيني، نظام ماوي ديكتاتوري ينتهج التعتيم، ولا يظهر الحقائق كما هي في الواقع، وبالتالي فما نراه اليوم من تقدم اقتصادي وتكنولوجي للصين، لا يعكس الصورة الحقيقة والكاملة لهذه الدولة، التي تعاني من عديد المشاكل والتناقضات، بل نستطيع القول أن الصين وصلت لشكليات الحضارة، ولم تصل بعدُ لجوهر الحضارة، لهذا ينبغي ألا نتسرع وننخدع بالمظاهر؛ لأن الصين لا تمتلك النواة الصلبة والمقومات الأساسية لأي حضارة، والتي تتمثل في الفكر والقيم الإنسانية.

تعدد القوميات في الصين

عندما تُذكر الصين يتبادر إلى الذهن صورة الصين الواحدة، بالرغم من وجود 56 قومية ترسم بألوانها ووجوهها المتباينة وجه البلد القارَّة، التي يسميها أهلها «جونغ غو» أي مركز العالم، وتتنوع الأعراق، اللغات، الثقافات والعادات في أكبر بلد في العالم من حيث عدد السكان، حيث يفوق عددهم 1.4 مليار نسمة، ويضم آلاف العناصر الإثنية، ورغم أن الناظر من خارج البلاد يظن أن الجميع متشابهين في بلد التنين، فإن الواقع مختلفٌ جدًّا، فالصينيون يستطيعون تمييز بعضهم بسهولة في الحياة اليومية، ويعرفون خلفيات بعضهم الدينية والعرقية جيدًا.

يمثل أبناء قوميَّة «الهان» أغلبية أبناء المجتمع الصيني، ويوجد بالصين قوميات أخرى مثل «الهوي»، والذين يعرفون بالمسلمين الصينيين والتبتيين والمنغول، وقوميات تركيَّة مثل «الإيغور»، «التتار»، «القازاق»، «القرغيز»، و«الأوزبك»، وعشرات القوميات الأخرى، وتضم الصين 10 قوميات مسلمة، فيما تبقى الديانة البوذية صاحبة الانتشار الأوسع في هذا البلد، وإلى جانب ذلك تنتشر اللغات في الصين، إذ إن كل قومية تمتلك لغتها الخاصة.

إن التعدد يحتاج إلى تعدد، بمعنى أن القوميات المختلفة والمتعددة في الصين تحتاج إلى نظام يؤمن بالتعدد ويستوعب جميع هذه القوميات ويعترف بهوياتها مثل النظام الديمقراطي، الذي يؤمن بالحرية، التعدد، ويحترم حقوق الإنسان، بعكس الشيوعية، التي تكفر بكل قيم الديمقراطية ولا تقيم أي وزنٍ لحقوق الإنسان، وبناءً عليه لا يمكن لنظام شيوعي وضعي مخالف للطبيعة وللفطرة البشرية أن يستوعب المجتمع الصيني متعدد القوميات والأديان، فضلًا عن أن يستمر هذا النظام في ظل عصر العولمة والانفتاح.

تايوان تغرد خارج السرب الصيني

كانت تايوان جزءًا فعليًّا من جمهورية الصين الشعبية حتى عام 1949م، حيث حُكمت الجزيرة، التي تعرف رسميًّا بجمهورية الصين بشكل منفصل عن البر الرئيس الصيني، بعدما خسر القوميون الحرب الأهلية أمام الشيوعيين وهربوا إلى الجزيرة لتأسيس حكومة موازية.

وتحظى تايوان الحديثة بحكم ذاتي منفصل عن البر الصيني منذ 70 عامًا، وبعد سنوات من الحكم الديكتاتوري، عرفت تايوان تحولًا سياسيًّا في ثمانينات القرن الماضي، وهي اليوم من أكثر الديمقراطيات تقدمًا في منطقة شرق آسيا، وتستخدم الصين سياسة «دولة واحدة بنظامين» لإدارة هونج كونج المستعمرة البريطانية السابقة، وعرضت بكين على تايوان هذا النظام، لكنه قوبل بالرفض من جميع الأحزاب التايوانية الكبيرة، وهو ما أثار انتقاد الرئيسة التايوانية، التي عدته تهديدًا لأسلوب الحياة الحر والديمقراطي في تايوان.

وأعربت رئيسة تايوان «تساي إينغ وين» التي أعيد انتخابها لعهدة ثانية، عن رفضها بأن تكون بلادها جزءًا من الصين، مؤكدة أن أي محاولة من جانب بكين لاجتياح الجزيرة ستكون مكلفة جدًّا، وتعهدت «تساي» بالوقوف في وجه الصين التي تعد تايوان جزءًا منها، وتقول إنها ستفرض سيطرتها عليها بالقوة إذا لزم الأمر، وتثير «تساي» حفيظة بكين لأنها تعد تايوان دولة مستقلة وذات سيادة بحكم الأمر الواقع، وليست جزءًا من الصين.

هونج كونج تنتفض في وجه التنين الصيني

كان انتقال هونج كونج من السيادة البريطانية إلى السيادة الصينية بموجب اتفاقية عقدتها الدولتان تضمنت أن يُحكم الإقليم وفق مبدأ «دولة واحدة ونظامان»، وهو المبدأ الذي ضمن للإقليم التجاري الأشهر في العالم نظام حكم ذاتي يتمتع بالسيادة في شؤونه الداخلية، بينما يخضع للصين في السياسة الخارجية والدفاع، وبموجب هذا المبدأ تتمتع هونج كونج بنظامها القانوني الخاص، وباقتصادها الرأسمالي المخالف للنظام الاشتراكي في الصين، فضلًا عن تمتعها بقدر كبير من الحقوق والحريات يضمن لسكانها حرية التعبير والتظاهر، وتأسيس الجمعيات والصحف على خلاف أقرانهم في الصين.

وشهدت هونج كونج احتجاجات واسعة اعتراضًا على مشروع قانون لتسليم المطلوبين إلى الصين، قبل أن تتطور الاحتجاجات لتشمل مطالب أكثر جذرية ويشارك فيها أكثر من ربع سكان الإقليم، للإشارة ليست هذه الاحتجاجات الأولى من نوعها وإن كانت الأكبر؛ فخلال 22 عامًا تحت السيادة الصينية شهدت هونج كونج ثلاثة احتجاجات كبرى من هذا النوع.

استغلت الصين جائحة كورونا وأقرت قانون الأمن القومي، إذ اعتمد البرلمان الصيني القانون ووقع عليه الرئيس الصيني متجاهلين دعوات الدول الغربية بعدم إقراره، هذا القانون الذي أثار مخاوف من قمع المعارضة السياسية في المستعمرة البريطانية السابقة، ويتخوف سكان هونج كونج من انتقال القوانين الصينية القمعية إلى إقليمهم، وكما هو معلوم فالنظام الصيني نظام شمولي ديكتاتوري لا يقيم أي اعتبار للحريات ولا لحقوق الإنسان، ولا يوجد فصل للسلطات في الصين، والقضاء أداة بيد الحزب الشيوعي.

إن تمرير النظام الصيني لقانون الأمن القومي في ظل جائحة كورونا، يدل على خوف السلطات الصينية من المعارضة التي قد تتلقاها من سكان هونج كونج، لهذا ينبغي لسكان هونج كونج أن يواصلوا النضال حتى يستعيدوا حقوقهم المشروعة أسوةً بشعب تايوان، الذي رفض الحكم الشيوعي والبقاء تحت العباءة الصينية، وهذا ما مكنه من العيش حياة حرة، والاستمتاع بمختلف منتجات الحضارة الغربية، كما ينبغي لسكان هونج كونج ألا ينسوا أن الازدهار الاقتصادي الذي عرفته جزيرتهم، كان بسبب النظام الرأسمالي والقيم الديمقراطية والقوانين الحرة التي كانت تُحكم بها الجزيرة.

ينبغي على سكان جزيرة هونج كونج أن يستمروا بالاحتجاج والتظاهر حتى في هذه الظروف، لأن الخضوع للنظام الشيوعي وللقوانين الصينية القمعية أخطر بكثير من فيروس كورونا، وهم اليوم بين خيارين، إما مقاومة المد الشيوعي والاستمرار بالنضال حتى الوصول إلى ما وصل إليه شعب تايوان من حرية وازدهار اقتصادي، وإما الخنوع والخضوع للحكم الشيوعي والعيش كما يعيش الإيغور تحت الذل والقهر والظلم المسلط عليهم من سلطات بكين.

مشكلة الصين مع الإسلام

يقدر عدد المسلمين في الصين بـ30 مليون مسلم حسب الإحصاء الرسمي الصيني، لكن المصادر الرسمية غير موثوقة، ولا يمكن الوثوق بها ولا تقبلها إلا بتحفظ شديد؛ لأن الصين دولة شيوعية قمعية تنتهج التعتيم، ولا يوجد بها إعلام حر ومستقل ينقل الحقائق كما هي في الواقع، ورغم أنه يصعب إيجاد إحصائية دقيقة للمسلمين في الصين، إلا أن إحصاءات غير رسمية تشير إلى أن عددهم قد يصل إلى 100 مليون نسمة، وفي تقرير أعدته قناة «Bon News» الإنجليزية المتخصصة في شؤون الصين، أكد أن تعداد المسلمين في الصين قد يصل إلى حوالي 130 مليون، وهو ما يعادل 10% من سكانها.

ويعاني مسلمو الصين أشد أنواع القمع والاضطهاد من قبل الحكومة الصينية، التي صادرت حريتهم وحاربت هويتهم، فهي تمنع الرجال من إطلاق اللحى، وتحظر على النساء ارتداء الحجاب، وتجبر المسلمين على الإفطار في نهار رمضان، وترغمهم على شرب الخمور، وأكل لحم الخنزير، خاصة في إقليم تركستان الشرقية (شينجيانج)، كما أن الصين تقتل المسلمين وتسجنهم وتمارس عليهم أبشع أنواع التعذيب بحجة محاربة الارهاب.

تتعامل الصين مع الإسلام على أساس أنه مرض معدٍ يجب التخلص منه، لهذا فهي تقوم بمراقبة مسلمي الصين عامة ومسلمي «الإيغور» خاصة مراقبة شاملة، وتعمل على غسل أدمغتهم ومحو ثقافتهم الإسلامية في سبيل غرس القيم الشيوعية فيهم، بالإضافة إلى ذلك تعمل الصين منذ سنوات طويلة على تغيير الخارطة الديمغرافية لإقليم تركستان الشرقية، من خلال توطين الكثير من عرقية «الهان» في الإقليم وإحداث التفوق العددي لهذه العرقية على عرقية الإيغور، ومن ثمّ السيطرة على الإقليم.

إن محاربة الحكومة الصينية للإسلام ليست غريبة، لأن الشيوعيين يحاربون الأديان ويعتبرونها أفيون الشعوب، أما عن انتهاكات حقوق الإنسان في هذه الدولة، فما هي إلا انعكاس للأفكار والمعتقدات التي يؤمن بها قادة الشيوعية، فلقد قال أحد زعمائهم يومًا وهو لينين: «إن هلاك ثلاثة أرباع العالم ليس بشيء، إنما الشيء الهام هو أن يصبح الربع الباقي شيوعيًا»، وهذه القاعدة طبقوها في روسيا أيام الثورة وبعدها، وكذلك في الصين وغيرها، حيث شهدت الصين تجويع 45 مليون شخص حتى الموت بين عامي 1958 و1962، نتيجة تطبيق «ماو» لأكبر تجربة اشتراكية في التاريخ، والتي جرّت البلاد إلى كارثة.

وتتخوف الصين من انفصال إقليم تركستان الشرقية (شينجيانج)؛ لأن أغلبية سكان الإقليم من المسلمين وهم من أصول تركية، بمعنى عرقية تختلف عن عرقية «الهان» المكون الأساسي للشعب الصيني. إن القمع الذي يتعرض له الإيغور ينذر بثورة تطالب بانفصال الإقليم عن الدولة الشيوعية، لأن الضغط يولد الانفجار، خاصة أن الإقليم بعيد جغرافيًا عن بكين، ويقع إلى جانب دول حليفة للولايات المتحدة يمكن أن يحصل منها على الدعم، صحيح أن الحكومة الصينية لن تفرّط في الإقليم؛ لأن مساحته كبيرة (خمس مساحة الصين)، وهو أغنى إقليم في الصين من حيث الطاقة والموارد، بالإضافة إلى أنه يقع على طريق الحرير، الذي تريد الصين من خلاله نقل منتجاتها إلى العالم. إلا أن الإيغور لن يكفوا عن محاولة إقامة دولتهم المستقلة، وسوف يستمرون في النضال حتى يعيدوا مجد أجدادهم في تركستان الشرقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد