(1)
أسأل الذين شاركوا وحرضوا وهيجوا على الحد من رحلات الحج والعمرة المباركة إلى بيت الله الحرام، وصدوا الناس عنها بدعوى الحفاظ على العملة الصعبة، وهم يرون المليارات تنفق في غير مصارفها، وتهدر في الأرض أو تبعثر في الهواء، هل طابت أنفسكم وأنتم ترون مئات الآلاف من اللافتات ترفع تأييدًا للحاكم في انتخابات محسومة سلفًا؟
(2)
إن الكثير من تلك اللافتات كبيرة جدًا ومكلفة جدًا، سواء في إنشائها أو في الإيجار الذي يدفع فيها، فكم تكلفت تلك الدعايا للحاكم في انتخابات بغير منافس؟! وإذا كان البعض سيتحفظ على الربط بين هذا وبين الحد من الحج والعمرة بدعوى أن الأخيرة للحفاظ على العملة الصعبة، فإن الرد هو: أليست في مئات الآلاف بل الملايين من هذه اللافتات مواد مستوردة؟! هل مواد تصنيع تلك اللافتات من المواد الأولية والإكسسوارات والأحبار والأوراق وغيرها جميعها تصنع في مصر؟! بل العكس هو الصحيح، وكثير منها مستورد من الخارج، ومع ذلك لم يجرح ذلك قلوب الذين دعوا إلى الحد من الحج والعمرة حفاظًا على العملة الصعبة، فها هم لا تهتز منهم شعرة والملايين من تلك العملة الصعبة تهدر في عبث ونفاق وتزلف للحاكم أو من الحاكم، أليس الحج والعمرة لله أولى من الحج والعمرة للحاكم؟!
(3)
في الحج والعمرة لله ضمان من الله ورسوله بنفي الفقر، فقد قال الرسول في الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم: «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد»، فهي دعوة صريحة إلى الإكثار من الحج و العمرة، ووعد من الله بعدم الفقر لمن يتابع بينهما، ولا أشك أن هذا الوعد ينصرف أيضًا إلى المجتمع ككل إن آمن وصدق بحديث نبيه.
(4)
والحق أننا نحتاج إلى الثقة في الله، وأن ندرك أن هناك علاقة حاسمة واضحة بين الإيمان ومبادئ الاقتصاد، وأنا هنا لا أتوجه بحديثي إلى غلاة العلمانيين الذين يظنون أن الدين شيء والحياة شيء آخر، ولكني أتوجه بحديثي إلى الذين يؤمنون بقول الحق سبحانه وتعالي «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون»، فوضحت العلاقة بين الإيمان والازدهار الاقتصادي، فكيف بعد هذا تريدون أن تحولوا بين وفد الرحمن وبين بيته خشية إملاق، وهو يرزقكم وإياهم، وهو القائل في كتابه «وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ»، وكيف تريدون أن يتحسن الاقتصاد بصد الناس عن بيت الله وهو الذي بيده الأمر في تحسن الاقتصاد من عدمه وهو القائل «وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ»، والعكس صحيح إذ يقول الحق في كتابه العزيز «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ» فهذه علاقة بين انعدام الإيمان والانحدار الاقتصادي، فكيف تطلبونه بنفاق الحاكم والتزلف إليه وهدر الدين والكرامة والموارد في سبيل ذلك.
(5)
ولا أشك أن مصدر تلك الوساوس هو الشيطان الذي يخوفنا من الفقر إن أنفقنا في سبيل الله، وهو الذي يوسوس لنا أن اقتصادنا سيضعف إن أنفقنا في سبيل الله، وكذا وكذا، فهذا بالضبط هو ما حذرنا الله منه فقال في كتابه «الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضلا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ»، فالشيطان أقعدنا عن الجهاد في سبيل الله خشية الفقر، وجعلنا نصنع الخمور خشية الفقر، والآن يريدنا أن نقيد وفد الرحمن خشية الفقر، وننافق الحاكم خشية الفقر، ولا أدرى إلى أين سيأخذنا بعد ذلك خشية الفقر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد