لا حديث في المغرب منذ أشهر سوى على المرسومين الخاصين بتنظيم ولوج الوظيفة العمومية بقطاع التعليم، اللذين أقرتهما حكومة العدالة والتنمية؛ حيث يحتل الحديث عنهما الحيز الأكبر من النقاشات الدائرة على شبكات التواصل الاجتماعي، فما مضمون هذين المرسومين؟ ولماذا كل هذه الضجة حولهما؟ ولماذا هذا التعنت في المواقف الذي حال دون إيجاد حل؟

ما مضمون المرسومين؟

أصدرت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني مرسومين اثنين في حق الأساتذة المتدربين الملتحقين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين لهذا الموسم الدراسي 2015-2016 وتمت المصادقة عليهما من قبل المجلس الحكومي، والمتمثلين في المرسوم 2ـ15ـ588، الذي ينظم مباراة ولوج سلك الوظيفة العمومية لقطاع التربية والتكوين، والذي يقضي بفصل التكوين عن التوظيف، والمرسوم 2ـ15ـ589، والذي تم بموجبه تقليص منحة الأساتذة المتدربين إلى النصف.

فإلى حدود السنة الماضية كان الطلبة المجازون الراغبون في ولوج المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين يضعون ملفاتهم في انتظار انتقاء أولي حسب معدلاتهم، وفي حال قبول ملفاتهم يخضعون لامتحان كتابي، وبعد اجتيازه يخضعون لامتحان شفوي أو مقابلة أمام لجنة مشكلة من أساتذة مكونين داخل المركز، وبعد النجاح في كل هذه الامتحانات يصبح المتباري “طالبًا أستاذًا” بحيث تكفيه سنة واحدة داخل مركز التكوين ليلتحق في نهاية السنة بوظيفته، اللهم بعض الاستثناءات القليلة جدًا في حال بدر من الطالب الأستاذ خلال سنة التكوين سلوكـًا جعله يحال إلى المجلس التأديبي، واتخذ هذا المجلس في حقه عقوبة الطرد، لكن بعد هذين المرسومين وبالخصوص المرسوم الأول فإن الطالب وبعد الخضوع لكل هذه الامتحانات لولوج المركز، يجد نفسه في نهاية التكوين خاضعًا لمسطرة التباري على مناصب محددة مسبقـًا “هذه السنة مثلاً كان من المفترض أن يتبارى 10000 طالب على 7000 منصب فقط”.

أين المشكل إذن؟

من الناحية القانونية هذان المرسومان لم يصدرا في الجريدة الرسمية إلا بعد استنفاد جميع مراحل الدخول إلى المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين: من امتحانات وإعلان عن النتائج وتوقيع المحاضر، أي أن الطلبة عند ولوجهم للمراكز ولجوا على أساس التكوين من أجل التوظيف، وبما أن القوانين لا تصبح سارية المفعول إلا بعد صدورها في الجريدة الرسمية، وبما أنه لا يمكن تطبيق القوانين بأثر رجعي، فإنه من المفترض أن  يخضع الطلبة للقوانين التي كانت سارية قبل ذلك، لهذا فإن الطلبة أقوى من الناحية القانونية، وفي حال لجوئهم للقضاء سيكون الحكم في صالحهم، لكنهم لم يسلكوا طريق القضاء لأن الحكومة لم تلتزم بأحكام القضاء في ملفات سابقة حكم فيها القضاء ضد الحكومة.

وقد عبر مجموعة من الناشطين والأساتذة المكونين والجامعيين في بيان أصدروه عن مساندتهم للطلبة، وطلبوا من الحكومة التراجع عن تطبيق المرسومين على فوج هذه السنة، معتبرين أنه من الإجحاف إلزام فوج 2015/2016 بما لا يُلزمه به القانون، حفاظـًا على مبدأ عدم رجعية القاعدة القانونية وتحصينـًا للحقوق المكتسبة.

إذا تجاهلنا الجانب القانوني الذي لن يشكل عائقـًا سوى هذه السنة، واستمعنا إلى رأي المؤيدين لهذين المرسومين، قد نجد إيجابيات في تطبيق المرسوم القاضي بفصل التوظيف عن التكوين، ذلك أن ما تدافع به الحكومة هو أن الطلبة الذين سينجحون في التباري سيلتحقون بالتوظيف في حين أن الطلبة الآخرين سيكونون قد استفادوا من تكوين يؤهلهم للعمل بالقطاع الخاص.

غير أن هذا الطرح يرد عليه بعض المعارضين متسائلين: كيف ستقبل مؤسسات التعليم الخصوصي بأساتذة يعتبرون “فاشلين” لكونهم لم ينجحوا في امتحان التوظيف، زد على ذلك أن الحكومة وهي تقدم على تكوين أعداد كبيرة كل سنة لإلحاقها بالقطاع الخاص ـ كما صرح بذلك رئيس الحكومة ـ لم تقدم رؤية واضحة للموضوع، والكل يعرف معاناة الأساتذة بالقطاع الخاص، حيث يتم توظيفهم للعمل 8 ساعات في اليوم لمدة 5 أيام في الأسبوع براتب زهيد وبدون التصريح بهم لدى صندوق الضمان الاجتماعي، وحتى في حال التصريح بهم يتم التصريح بهم براتب مرتفع مقارنة بالراتب الحقيقي. إذ يتم تشغيل العديد منهم بـ 1000  درهم شهريًا رغم أن الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص هو 2369 درهم، وبالطبع يجد الأستاذ نفسه مضطرًا للقبول، وإلا فإن الطرد هو مصيره، وفي حال فكر في اللجوء للقضاء، فتلك مساطر طويلة ومصاريف لا يملكها، هذا إذا لم يجد نفسه قد تحول من مدع إلى مدعى عليه وأصبح مطالبًا بتقديم تعويضات مادية لرب العمل.

تشبث عجيب بالمرسومين ورفض أي إمكانية للحوار

ليس العجيب أن يدافع رئيس الحكومة على مرسومين صادقت عليهما حكومته وهو مقتنع بجدواهما، لكن العجيب هو التشبث غير العقلاني مع عدم إبداء أية رغبة للجلوس إلى طاولة الحوار، وإعطاء الأمر صبغة صراع بين الأساتذة الطلبة وشخص السيد بنكيران، لدرجة أن يفضل سقوط حكومته على التراجع عن المرسومين، وقد قالها بعبارة صريحة: “أقسم بالله إنني لن أتراجع عن المرسومين ولو أدى الأمر إلى سقوط الحكومة.” ضاربًا عرض الحائط بكل الاقتراحات المقدمة للخروج بحل وسط.

لعل السيد رئيس الحكومة وهو مستميت في دفاعه عن المرسومين رافعًا شعار أن المرسومين سيساهمان في تكوين أفواج من الطلبة لسوق العمل لا يعلم أنه سيُكوّن أفواجًا من العاطلين عن العمل أو أفواجًا من الأساتذة المهضومة حقوقهم مسبقـًا قبل التشغيل، وربما كان ليجد تأييدًا من شرائح أخرى غير المتعاطفين مع حزبه لو قدم رؤية واضحة لطريقة إدماجهم في سوق العمل، وقدم ضمانات لعدم استغلالهم برواتب زهيدة بعد أن يكونوا قد ضيعوا سنة من أعمارهم في مراكز التكوين.

كما أن طريقته في الرد على الطلبة الأساتذة والتي جاءت مباشرة بعد التدخلات العنيفة في حقهم أثناء احتجاجهم على المرسومين بشكل سلمي، مما أدى إلى وقوع إصابات خطيرة في صفوفهم، تحمل الكثير من التحدي اللامسئول، هو الذي يدعو بعد كل احتجاج إلى القبول والرضوخ للواقع من أجل الاستقرار، وأخد العبرة من الدول العربية التي تعاني من الفوضى والحروب.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المغرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد