تلك الجُملة التي خرجت من فمِ العصفور المُنبهر بأضواء المدينة.

2007 كان عام صدور الفيلم الأحب والأخف على الإطلاق.. أنشودة الحُب العفيف التي غزلها محمد خان ليلقي على قلوبنا بردًا وسلامًا.

تلك «الغنيوة» التي تضافرت لحنًا على لحن مع اليمامة البيضاء التي خرجت من القفص مُلبية نداء النداهة. «غني للدُنيا إهداء من أبلة تهاني».

ذاك الإهداء من المُعلِمة للتلميذة. من الجريئة لصاحبةِ القلب البريء الطاهر. نوجة الفتاة الصعيدية المولعة بالحب، ومع ذلك لم يرها صديقاتها مع رجُل.

الرقيقة المُنتظرة لقصة مع رجلٍ تُحِبه الحُب الذي تلقَّته في صِغرها. نوجة التي فاتها القطار، قطار العودة، وقطار الزواج كما يراها البعض، لكن لم يفتها قلب الساكِن «في شقة مصر الجديدة».

«أمانة عليك يا ليل طوِّل، وهات العُمر من الأول…»

ليلة واحدة طالت كما تمنى كارم محمود غيَّرت مسار حياة اليمامة. اليمامة التي لم تكُن تدري أنها سوف تبيت ليلتها الأولى خارج المنزل ولأول مرة في القاهرة. فتاة نقية، طيبة، تسير وراء مشاعرها لتحصُل على الحُبِ الطيب.

نوجة التي لا تخاف من العفاريت، ولا تخاف أن تذهب لمنطقة في بلدٍ لا تعرف فيها سوى مُعلِمة موسيقى درَّستها في الصِغر. لكنها تخاف أن تقفز من مسافة مترين. نوجة المثال الحي للقلب البِكر الذي لم يمسَسه جرح حبيب.

جميلة هي ككل سيدات خان..

ذاك المُبدع العبقري، العاشق للتفاصيل الحنونة، صاحب الأعين المُميزة، وصاحب الرؤية المضبوطة التي لم يقترب منها زيادة أو نقصان قط. أفلام خان دائمًا ما تُشعرني بالطمأنينة، تُذكرني بمنزلنا القديم، بألعاب طفولتي، وبرائحة جدتي.

الرجل الذي يجعلك تشعر أنك تطير كالفراشة، إذا كنت تشاهد أحد أعماله تحت غطائك في ليلة شتوية باردة، أو تستقل سيارتك هاربًا من حرارة أغسطس إلى أحد شواطئ البلدة. هو الشعور ذاته، يأخذك على جناح طير ليريك صِدق الحب ورِقَّته. لم أجِد وصفًا أكثر من أنه «كان دافئًا»، وكل ما صنعه يقطُر دفئًا حتى يومنا هذا.

أذكر أنني شاهدت هذا الفيلم العام الماضي. وطيلة مشاهدتي له كنت أبتسم، أشعر بالحنين والجمال ورِقَّة القلب المُفرطة. تمنيت لو أنني قابلت حياة القلوب. وتناولت معها «فنجانين يظبطوا الدماغ والجلب» حتى إنني والله شممت رائحة البُن.

تمنيت لو أنني نوجة، لو أنني أجلس خلف الرجل الذي أحب وأمسك به خشية أن أسقط. وفي قرارة نفسي أعرف أن لا مكان بيننا للسقوط. لا مكان للخوف؛ ربما لأنني أدور معه في الشوارع في ظلمة الليل غير عابئة بنداءات العقل والعادات والتقاليد.

كنت أشعر بإصرار نوجة على إيجاد تهاني – رمز الحب – ذاك الإصرار الذي ألقى في طريقها رجل حياتها يحيى، القاطن في منبع إلهامها ومقصدها.

لم تكُن تُصدِق أبدًا أن تخرج من المنيا باحِثة عن مُعلِّمة الموسيقى فتشتغل بداخلها موسيقى العُمر القادم. منذ عام مضى أدركت أن «الحُب ده مُمكن يحصل في أي مكان وأي وقت.. بين إتنين ماكانش مُمكن إنهُم يتقابلوا».

دون ميعاد، دون ترتيب مُسبَق، لكنه ليس صدفة، بل من المؤكد لسبب ما.

«إنتِ ليه بتدوري على تهاني؟.. أقصد ليه مُصرّة قوي تلاقيها كده؟!»

ذلك التساؤل الذي صدر من يحيى لنوجة.. وربما كانت الإجابة في القطعة ذاتها:

«علشان ألاقي راجل أتدفس في حضنه لما الدنيا ترصرص».

في النهاية ما أردته هو إظهار حُبي بل عشقي لهذا الفيلم، وإرسال أيضًا برقية شُكر لكل صناع هذه التُحفة الفنية الفريدة، الشبيهة بـ«الهفهفة» التي تصيب القلب في عذوبة جميلة.

«والله كانت فرصة سعيدة خالص يا أستاذة نجوى».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد