تستطيعين أن تكوني مسلمة وبوذية في وقت واحد، قالها لي الأستاذ وهو ينظر إلى حجابي بقناعة تامة، وكنت الطالبة الوحيدة المحجبة التابعة للديانة الإسلامية في المحاضرة التي تسمى «مقدمة في البوذية في آسيا».

البوذية، وهي فلسفة ونهج حياة، يتبعها أتباع بوذا منذ عام 2000 ق.م، ونسبة البوذيين المعتنقة تتواجد في قارة آسيا، وما يميزُ البوذية والديانات الآسيوية أنها تعتمدُ على التوازي بين الإله والبشر، والبوذية بدأت في الهند وانتشرت في أنحاء آسيا، وأخذت التبت مقرًّا لها، ويمكن تلخيص البوذية على أنها طُرق قدمها بوذا لطلابهِ ولمن يسير على نهجهِ لتساعدهُ في التخلص من أعباء الحياة وتحملها بالطريقة الصحيحة، عدا عن أنّ طلاب بوذا يقدسونه كأكثر من رب يعبد، فهو حقيقة متجليّة ببشر من لحم ودم، ومن أهم عماد فلسفتهِ: أنّ الحياة عبارة عن أربع طرق نواجهها يوميًّا وقدمها على أنّها الحقائق المُثلى، «تعاليم»، وقد تجلّت له من خلال «ميدتاسيا» التأمل. وهذه الحقائق هي:

1. الحياة صبر ، 2. هنالك سبب لصبر 3. منبع الصبر الشهوات 4. بالاستطاعة التغلب على الشهوات واحتمال الصبر

أنّ البوذية بدأت لتغير ما كان قابعًا في جنوب الهند عن طريق المصلح بوذا، والذي ترأى له أنّ الديانات الأخرى تحجب عن الإنسان رؤية الحق، وأنّ الحقيقة تقبع في إيجاد معنى لأنفسنا، والبحثُ في الذات يكشف أستار الحقائق، وما البحث في الذات إلا كشف للحقائق المخفية، وهي القوة التي يحتاجها الإنسان حتّى يتغلب على شهواتهِ.

لو أننا قارنا الأديان ودمجنا بين مفهوم الأديان، لوجدنا أنّ دين الإسلام هو أول دين أتى معلنًا أنه «دين»، وليس فلسفة، بل عرف نفسه على أنه دين منذُ على ايدي نبي الله الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- على عكس باقي الأديان، التي بدأت بلا أن تتخذَّ اسمًا ومسمى، على سبيل المثال، الديانة اليهودية سميت نسبة ليهودا، وقد سميت بعد ما يقارب 200 عام، أما الديانة المسيحية أو النّصرانية، فقد أخذت وقتًا أيضًا لتأخذ اسمها «العهد الجديد»، وبدأت ديانة صغيرة تلاحقها اليهودية، إلى أنّ دخل قسطنطين العظيم واعتنق المسيحية في ما يقارب ال 300 ميلاديًّا وأنقذ الديانة النصرانيّة وجعلها رسميّة، والبوذية سميت نسبة لبوذا، ولربما لو لم يكن دين الإسلام مسمى بالإسلام، لجعل له اسمًا آخر كالمحمديّة، أو دين العرب.

دين الإسلام ظهر على يدّ النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- ليكمل باقي الديانات الإبراهيمية، ليحمل شرائع وعقائد واضحة، أما الأديان الآسيويّة فبدايتها تعتمد على كونها نهج حياة أو مذهب، ثم اتخذ دينًا متبعًا، كالكونفوشيوسية أو الطائهية في الصين.

ومن خلال دراستي لمقارنة الأديان، وجدت أنّ أكثر الأديان تنادي بالأخلاقيات والمثاليات، فعلى سبيل المثال كان هنالك تنافس بين الفلاسفة مثلَ ابن كمونة، وهو كاتب وفيلسوف يهودي كتب عن مميزات الأديان الإبراهيمية، والأخلاقيات العليّا التي تمنحها الديانة اليهودية، كذلك الأمر مع ابن خلدون «مسلم»، أو وليم جونز «نصراني كاثوليكي»، فالأخلاقيات المّثلى يتغنى بها الفلاسفة والكتاب التابعون لديانة معينة، ويستعرضون بها ويحاولون إيجاد أخطاء الأديان المقابلة لها، بعض الأديان الصينيّة ناشدت الأخلاق؛ فنجد عادة احترام الوالدين والتي نشأت قبل 5 آلاف عام، من الديانة الطاوية، «الديانة الطاوية، وهي مجموعة مبادئ، تنقسم لفلسفة وعقيدة دينية، مشتقة من المعتقدات الصينية، وظهرت وتطورت المدرسة الطاوية الفلسفية أثناء الانتعاش الفكري الذي صاحب فترة حكم سلالة «تشو»، عرفت الفترة ظهور العديد من المدارس الفلسفية، كانت تتنافس بعضها مع بعضها حتى تحظى بشرف تقديم النصائح للحكام «في المقاطعات»، حول الكيفية الأمثل حتى ينعموا بحياة أفضل، وحتى يحسنوا تسيير الأمور في عالم تتسارع فيه وتيرة التغيرات السياسية والاجتماعية.

تدعو هذه المدرسة إلى احترام الذات والانعزال عن الحياة العامة، تفرعت هذه المبادئ عن التقاليد الصينية القديمة للتصوف والعبادة التأملية، والتي ارتبطت باليوغا. قام الفيلسوف «تشوانغ تسو» بتطوير هذه المبادئ في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد».

كان مهمًّا إيجاد أنماط للسير بها، فالأخلاق الحميدة هي ما تمضي قدمًا بالحضارات، بل لو اتجهنا أيضًا لنلقي نظرة على الديمقراطية، فمشرعها هو الكاتب صولون اليوناني الأصل من مدينة أثينا القديمة «اليونان»، وقد دعت إلى إعطاء الحقوق للأفراد وحكم الشعب الأمثل، وناشدت إلى القيم والأخلاق، في سبيل الحكم الأمثل للشعب، وهنا يأتي دور تشكل الديانات، فالديانات تصبح ديانة بعد أن يعتاد الناسُ على أخلاقياتها وتتوافق مع مبادئهم، أما نشأة الإسلام فقد بدأ بداية مباشرة، ليس نهج حياة، وإنما دينٌ ذو كتاب مقدس، لذلك هل يجوز دمج ديانة بوذية بدأت في الهند لا تنادي بوحدة الإله مع الديانة الإسلامية الموحدة «مونتيستيّة» العائدة جذورها إلى الديانة الإبراهيمية.

الفكرة قابلة للتطبيق بدمج جوهر الأديان ببعضها  حتى نحصل على أخلاقيات مثالية، والإسلام أتى ليتمّم الأخلاق، فالدين بذرته الأخلاق، وبذرة الأخلاق التعامل الحسن مع الآخرين، وألا يكون ممنهجًا في سبيل طائفة معينة ليخدم نزعة سياسية واحدة، وأساس التعامل الحسن هو الاحترامُ والحب، فالدين والحب عاملان أساسيان، اندماجهما يكملُ بعضهما بعضًا، فإن كان الدينُ بلا حب، سقط الدين، وإن كان الحب بلا دين سقط الحب، فالحب تدين وإخلاص العمل والمعتقد، فإن كانت الصلاة والدعاء أمرًا يقوم به العبد المؤمن في حب الخالق، فالحب هو ما يُحيي القلوب ويدثرَ منه غيمة الأنانية، فيكبر الحب بالدين فيمن نحبهم فيه، ويكبرَ الدينُ في الحب، فإن قال بوذا إن الحياة صبر، فأقول إنّ الحب يجمل الصبر ويجعل من الشهوات والرغبات ضعيفة أمام ذواتنا العظيمة، التي تكبر في بحثها عن الذات، بحثها عن حقيقة الحب، حقيقة الله، والله ليس مفقودًا بل هو في ذواتنا عندما تصفى الذات إلى نفسها في أعماق خلوتها، فإن تمت المقارنة بين بوذا والنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- لوجدنا أنّ كل من اختلى عن المجتمع وتوحدّ بنفسهِ، وجدّ ذاته وجوابًا موقنا لنفسه.

وسآخذ مثالًا من الإسلام والبوذية، ومع الذكر أنّ باقي الأديان لا تقلُّ أهمية، بل المثال المعطى مأخوذ نسبة لتشابههم مع باقي الأديان، فبوذا بعد أن عاش 30 عامًا في قصر والده المكون من ملذات وراحة لا تنتهي، هجر القصر وترك زوجته وابنه، ليجدّ طريقه الخاصة، وقد قضى حياته في التأمل والبحث عن الذات «الأتمان» كلمة سنسكريتية قديمة تعني الأنا، أما النبي محمد – عليه الصلاة والسلام- فقد وجدّ الحقيقة في غار حراء بعد التأمل والخلوة عن المجتمع، وكلاهما صنعا تغييرًا في بيئتهم وجعلاها أكثر استقامة، فإن طبقنا شرائع الدين في الصلاة والصوم، بإضافة الحب، لأتقنّا مفهوم العبادة، فإن الشرائع تميزُ الأديان عن باقيها.

فصلاة الهندوس طقوسها تختلفُ عن صلاة النصرانيّة، وصلاة الإسلام تختلف عن اليهوية، فهذه الشرائع هي ما تخصُّ كل دين عن الآخر، فالصلاة والصوم عبادات موجودة منذ قديم الزمن، وبدأت في الحب، فالحب هو الملاذ وطريقة للتعايش السلمي مع العالم والذات، فإن عبدنا الله بلا حب، لأصبحنا نعبدُ أصنامًا ولأمست عبادة التوحيد تكفيرية مهزوزة خالية من المشاعر الحقيقية، فحق علينا أن نجعل مشاعرنا تستشعرُ جمالية الوجود، فلا يوجد الله بلا حب حقيقي، وأن وجد الحب ستصبحُ كلُّ الأديان بملامح واحدة أهم عمادها النيّة الصافيّة الحسنة الآتيّة من تراتيب الحب لبنوا البشر، ولأصبح الاختلاف أمرًا عاديًا، ولارتقت الأخلاقيات المُثالية التي تناشدُ بها الحضارات لتندمج كل الأديان في ملامح واحدة، ملامحُ الإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد