في حقبة الثمانينيات طرأت متغيرات عديدة أثرت في الإسلاميين والأنظمة العربية في ظل شيوع الديمقراطية والمطالبة بها، بالإضافة إلى شيوع ظاهرة العنف والإرهاب، ولأنّ هاتين النقطتين كانتا محور اهتمام لدى الإسلاميين فقد تبنوا مفاهيم جديدة كالقبول بالتعددية والشراكة السياسية[1]، هذا بدوره أدى بشكل أساسي إلى شيوع ظاهرة الإسلام السياسي للتفرقة بين الحركات الإسلامية التي تقبل الشراكة السياسة وقبول الآخر، والحركات التي ترفض ذلك، وبقيت تتبنى العنف للتغيير.

ظهور الحركات الإسلامية القطرية مثل الحركة الإسلامية في فلسطين وتركيا والأردن والمغرب العربي والعديد من الدول الأخرى، والتي ظهرت بتمثيلها لقضايا قطرها، وتعالج مشاكل القطر الخاصة بها دون ارتباط تنظيمي أممي، إذا الحركات الإسلامية تعتبر حركات وطنية لأنها تخضع لقوانين الدولة، وتنطلق من قضايا القطر والوطن، أما الادعاء المتواصل من قبل القوى السياسية الأخرى كالليبرالية والعلمانية والأنظمة العربية بأنها تخضع لقوانين الحركة الأم، هذا إن كان له هدف فهو لعدم قدرة القوى الأخرى على مجابهة الإسلاميين في المجتمع، وعدم اللحاق بهم بسبب تغلغلهم في المجتمعات.

الحركات الإسلامية في بنيتها حركات إصلاحية ترنو إلى إصلاح المجتمع كما تتبنى جميع قضاياه. علمًا بأن المجتمعات العربية بنسيجها الاجتماعي تمتاز بأن الإسلام جزء منها، وهو مكون أساسي في المستوى الحضاري، وجزء أصيل في بنيته وبالتالي، فإن أي حركات ينتجها النسيج الاجتماعي إذا كانت حركات أصيلة تنبع من النسيج الاجتماعي نفسه، وتعبر عن مصالحه وأهدافه فتكون متماسكة وقوية.

لذلك حركات الإسلام السياسي خرجت من رحم المجتمع، وهي بالأساس حركات اجتماعية وباعتبارها جزءًا من هذا النسيج، أولت اهتمامًا ومركزية للبرنامج الاجتماعي على حساب البرنامج السياسي؛ فاهتمت بالمشاريع المجتمعية والعمل الخيري، هذا بدوره جعل من الحركات الإسلامية تنزع إلى احتكار بعض المجالات، فسعى الإسلاميون إلى إعادة بناء المجتمع على حساب مشروع الدولة، علمًا بأن السبب الرئيس للجوء الإسلاميين للمجتمعات على حساب الدولة أساسه حجب الأنظمة عن تدخل الإسلاميين في شؤون الدولة ومؤسساتها، واحتكار كافة مرافقه دون إشراكهم في أي من مؤسسات الدولة.

لذلك فمنذ الاستقلال تبنت الأنظمة العربية خيار الدولة باعتباره خيارًا مركزيًّا، بالمقابل استغنت تمامًا عن المجتمع والانخراط به، عكس حركات الإسلام السياسي والتي أولت المجتمعات الأهمية المركزية، في حين أهملت قضايا أساسية لم تكن أقل أهمية في الطريق للوصول إلى الدولة تارة رغبة منها، وتارة بالإقصاء من قبل الأنظمة المستبدة، فالأنظمة لا زالت تؤمن أن أدوات السلطة السياسية تتميز في حالة من التمركز حول الاستحواذ الكامل دون مشاركة الخصوم.

الحركات الإسلامية بنت لها قاعدة مجتمعية لا تستطيع أي من القوى الأخرى اللحاق بها، فالمجتمعات أصبحت خاصيتها، وبهذا الزخم الشعبي رأت الحركات الإسلامية أن تبنيها للإصلاح الذي ترنو إليه وتحمل رايته يستدعي خوضها السياسي، والذي بدأته بانتخابات نقابية طلابية ومجالس بلدية محلية وانتخابات في النقابات المختلفة كما المجالس النيابية؛ فحققت نجاحات هائلة، معتبرين أن الإصلاح السياسي نقطة البداية للإصلاح الشامل الذي يسعون إليه.

الأنظمة العربية أدركت خطر خوض الإسلاميين غمار العمل السياسي بناءً على شعبيتهم الواسعة حينها رفعوا شعار «لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين»، الهدف من هذا الشعار أن تبعد الإسلاميين عن المجتمعات، خاصة أن نجاحات الحركات الإسلامية بدأت بهذا الخطاب مع عامة الناس، بالمقابل فإن الدولة تعترض على تدخل السياسة بالدين وهي أصلًا من تستخدم الدين لصالح سياساتها الخاصة.

الخلاصة، فبمقدار تعمّق الدولة داخل الدولة كانت الحركات الإسلامية في المجتمع، فالمجتمع أصبح مفتوحًا أمام الحركات الإسلامية لكي تنتشر وتقوى وتؤسس الهياكل المتماسكة من مؤسسات وجمعيات ومدارس تابعة لها، في المقابل إغلاق الدولة الباب أمام الحركات الإسلامية، وخاصة في أجهزة الدولة الرئيسية كالأمن والجيش والسياسة الخارجية، بينما كان المجال متاحًا لها للعمل في سلك التربية والتعليم والصحة مع وجود نفوذ للحركات الإسلامية كتيارات فردية.


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

المجتمع العميق لحراكات الإسلام السياسي
عرض التعليقات
تحميل المزيد