منذ الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين من الحكم، في يونيو 2013، والدولة العميقة في مصر تتفنن في إذلال المواطنين وكسر شوكتهم، ضمن خطة مخصصة للقضاء على أتباع ثورة 25 يناير، وضمان عدم تكرار أحداثها، التي كانت تمثل حلم الكرامة، للسواد الأعظم من البسطاء.

كان الإمعان في إذلال المواطنين هدفًا، وإسكات أصحاب الرأي وقصف أقلام الصحافيين واعتقالهم خطةً، ومنع السياسيين من ممارسة حقوقهم الدستورية، والقضاء على فكرة التداول السلمي للسلطة مباحًا، فلا صوت يعلو فوق صوت الرئيس الذي يسيطر على كل شيء، (كل شيء بمعنى كل شيء)، بداية من مومياوات الفراعنة التي جابت شوارع القاهرة، شاهدة على حكمه، مرورًا بجثامين الفقراء تحت عجلات القطارات وعلى الطرق المتهالكة.

وبما أننا لم نعد في عصر الستينيات، حيث السجون المغلقة والكلمات المشفرة، والأحداث التي يصعب معرفتها بسهولة، أصبح العالم ودوله ومنظماته على دراية بما يدور في مصر، بل خلف أبوابها المغلقة، فدائمًا تأتي رياح الغرب بما لا تشتهي سفن النظام. فمؤخرًا، طالبت 31 دولة، مصر باحترام حقوق الإنسان، وإنهاء استخدام تهم الإرهاب ضد الحقوقيين والصحفيين، والنشطاء، وأكدت في بيان مشترك مع الولايات المتحدة، ضرورة رفع القيود عن الحريات، والتوقف عن اللجوء إلى قوانين مكافحة الإرهاب لتكميم أفواه المعارضين وإبقاء المنتقدين في الحبس الاحتياطي إلى أجل غير مسمى.

البيان ليس جديدًا، وتفاصيله يعلمها الجميع، ولكن الصدمة تمثلت في رد وزارة الخارجية المصرية على البيان المشترك، وكشفت إلى أي مدى حجم التغيير في أساليب وزارة من أهم وزارات مصر، كان يُضرب بها المثل في الذكاء والقدرة على كسب المعارك بحنكة ودبلوماسية فريدة، ميزتها عن نظيراتها حول العالم.

خرج البيان المصري الذي ألقاه السفير أحمد جمال بهاء الدين، في مجلس حقوق الإنسان في جينيف، منتصف آذار (مارس) الماضي، هذيلًا يفتقر إلى أبسط قواعد الدبلوماسية، ولا يمت بصلة إلى المؤسسة العريقة التي انتصرت في حروب فشلت في حسمها المدافع، وكانت مثالًا عمليًّا يحتذى به، ووضع مصر في مأزق كان من الممكن تفاديه.

مضمون دفاع مصر عن نفسها، جاء شبيهًا إلى حد بعيد لخطاب الرئيس السيسي، عندما سألته إحدى الصحافيات عن حقوق الإنسان في مصر، وذلك خلال المؤتمر الصحفي الختامي لقمة الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية التي عقدت في شرم الشيخ عام 2019، حيث انفعل عليها آنذاك، وقال لها:«لن تعلّمونا إنسانيتنا، احترموا أخلاقياتنا وأديباتنا وقيمنا كما نحترم قيمكم». يتحدث الرئيس، وكأن الله كتب على مصر أن تكون أدبياتها متمثلة في مصادرة الرأي واعتقال الصحافيين، ومنع السياسيين من ممارسة حقوقهم، وأدبيات الغرب تضمن الحرية والديموقراطية وحق الحياة الكريمة لمواطنيها.

السفير أحمد بهاء الدين أثبت التهم الغربية على مصر، وبدأ في إيجاد مبررات، معلنًا – بشكل ضمني- أن محاولة نفي ما جاء في البيان الأوروبي سيكون عبثًا، ليس من اللائق الخوض فيه، وكانت كلماته متفقة تمامًا مع تلك التي قالها الرئيس في المؤتمر، وذلك يعود إلى عدم القدرة على إيجاد أدوات وآليات تمكنه من نفي تلك التهم، فكيف يخفي انتهاكات موثقة كشفتها 31 دولة بالأدلة، واتفقت على إدانتها.

اعتمدت البعثة قاعدة (خير وسيلة للدفاع الهجوم)، فهاجمت الدول الأوروبية، واتهمتهم بمصادرة أموال اللاجئين وممتلكاتهم، كما اتهمت السياسيين بالعنصرية ضد الأفارقة والمسلمين، وقالت:«إن مواطني تلك الدول دنسوا مقدسات المسلمين دون حساب». لا أدري صراحة من أين أتى السفير أحمد جمال بهاء الدين، بتلك المعلومات المرفقة في بيانه، وإلى أي شيء استند إليه كاتب التقرير، وإن صحت كيف له أن يستخدم صيغة الجمع بتلك الطريقة.

لا يوجد دولة في العالم ليس بها انتهاك حقوقي، ولست هنا بصدد الدفاع عن الغرب، ولكن المنهجية في الانتهاكات ضد فئات الشعب المختلفة، هي ما تثير القلق، السلطات الأمنية في مصر تتعامل بعنف شديد وبتنكيل منظم، مع المعارضين، بخلاف الدول المذكورة في البيان المصري، بها مخالفات.. لا شك، ولكنها حالات فردية لا ترتقي إلى الجرائم التي تمارس ضد المعارضين في مصر.

وعوضًا عن تفنيد الاتهامات الغربية، كرَّست الخارجية جهودها للتشهير بالدول الأوروبية، وخرج الإعلام المصري – الذي يمثله أحمد موسى وغيره – ليسير على نهج الخارجية وعرض مشاهدًا مسجلة، عما أسماه انتهاكات حقوق الإنسان في دول الغرب، منها بريطانيا، حيث شملت المشاهد فض تظاهرات ومعاملة (خشنة) من الشرطة البريطانية، لبعض المحتجين، ولكنها لم تكن معاملة دموية كما يحدث في مصر.

خاطب موسى مريديه وأتباعه، موضحًا لهم إلى أي مدى أصبحت تلك الدول متوحشة، وهمجية في التعامل مع المواطنين، مع العلم أن الشرطة كانت تتعامل مع المحتجين بخراطيم المياه، ولم ترتقي الاشتباكات إلى مرحلة العنف، ورغم ذلك كان هذا في نظر الإعلام المصري همجية ووحشية، وروجوا له على مدار أسابيع، أعقبت البيان الأوروبي.

حاول الإعلام جاهدًا أن يثبت للداخل المصري، أن الانتهاكات في مصر ليست بشي غريب، فها هو الغرب عنده ما عندنا، نحن نقتلكم، وهم كذلك، نحن نعتقلكم وهم كذلك، وأراد أن يرسل رسالة للغرب معنها «اللي بيته من زجاج ميحدفش الناس بالطوب»، على فرض أن الشرطة في تلك الدول تشبه شرطتنا، ودوائر الحكم في أوروبا تشابه أحمد موسى وصدى البلد «المحطة».

البيان الحقوقي، الذي أصدرته دول الغرب، أكد أن طريقة تعامل السلطات الأمنية مع المعتقلين تعتمد على التدوير، والاعتقال التعسفي المتجدد، في محاولة للتنكيل بالنشطاء السياسيين والحقوقيين، والصحفيين، وإرهاب المعارضين في الداخل والخارج. وبالرغم من نفي الرئيس عبد الفتاح السيسي وجود أي سجناء سياسيين في السجون إلا أن المنظمات أكدت وجود نحو 60 ألف معتقل في مصر من السجناء السياسيين، كثير منهم صحافيون ومحامون وأكاديميون ونشطاء.

نطاق القمع يتسع كثيرًا في مصر، ليشمل كل من يتحدث عن التقصير الحكومي في أي من قطاعات الدولة، حتى إن المطاردات الأمنية طالت الأطباء الذين نادوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بتوفير معدات وأدوية في المستشفيات العامة، لإنقاذ المواطنين خلال أزمة فيروس كورونا، في سابقة لم تسجلها دولة من قبل.

النظام لا يطيق أن يسمع أي انتقاد مهما صغر شأنه، فمن ينتقد وزارة الصحة اليوم سيتجرأ غدًا ويطالب بإسقاط الرئيس، وهذا ما يخشاه السيسي، ويسعى إلى الابتعاد كثيرًا عنه وعن مصير مبارك ورجاله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد