فى الجزء الأول ذكرنا أن رسالة الإسلام رسالة عالمية، بدأت بثورة على أوضاع جاهلية برفض تلك الأوضاع فكانت «لا» هي التعبير الأول عن الرفض السلمي لكل الأوضاع المخالفة للفطرة الإنسانية.

صمد صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- على الأذى في سبيل نشر فكرتهم ثلاثة عشر عامًا متتابعة، دون رد اعتداء، رغم ما نالهم من اعتداء وصل إلى حد القتل والتصفية الجسدية. لم يسلم من ذلك الإيذاء لا القيادة (رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ولا تابعوه، حتى النساء اعتُديَ عليهن إلى أن صارت أول شهيدة «سمية بنت الخياط»، ثم تبعها زوجها ياسر، ثم كان حصارًا كاملًا للمسلمين يمتد قرابة ثلاث سنوات متتالية (الحصار الاقتصادي).

ولم تمر تلك الأيام العصيبة على أهلها من دون سخط البعض واستعجاله، وعدم احتماله الأذى، واستنجاده للخلاص من وقع العذاب والتضييق عليه، فجاء البعض منهم يستنجد برسول الله – صلى الله عليه وسلم- ليجد لهم مخرجًا مما هم فيه، لكنه أعطاهم درسًا في الصبر والاحتمال، وعدم الاستعجال، وحسن قراءة المشهد السياسي من زاوية أوسع تتخطى أيام قليلة، لا تحتاج منهم غير الصبر والثبات، تتغير بعدها معالم الجغرافيا والتاريخ.

فعن أبي عبد الله خباب بن الأرت قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان مَن قبلكم يُؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض، فيُجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، واللهِ ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون»[1] رواه البخاري وفي رواية: «وهو متوسد بردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة»[2].

إلى أن استطاعت أن تتمدد تلك الفكرة وتنطلق إلى أرض جديدة (الحبشة ثم المدينة المنورة) لتتشكل للفكرة دولة تحميها لتستمر في مسارها السلمي في التغيير، حتى تمتلك على الناس شغاف قلوبهم.

وكانت أول مسيرة سلمية للمسلمين في مكة قبل الهجرة عبارة عن صفين يتقدم أحدهما سيدنا عمر بن الخطاب، والآخر سيدنا حمزة بن عبد المطلب، فلم يجرؤ أحد المخالفين على أن تمتد يد البطش إليهم بعد اليوم كانت بداية الحاضنة الشعبية للمقاومة السلمية هي رمزية الدلالة على أن للسلمية أدواتها الموجعة، التي بها تستمر الفكرة في الانتشار، وإفساح المجال لها لتعرف قلوبًا تستقر فيها.

بمجرد إسلام عمر وحمزة تبدلت الأحداث لصالح القوى الناشئة، قامت دعائم الدولة في المدينة المنورة، ثم وافق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على شروط صلح الحديبية التي كانت مسار جدل كبير بين كبار الصحابة، وصلت إلى حد تشكك البعض في صحة المسار. لكنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدرك تمامًا أن المسار السليى هو الأكثر نفعًا، والأعظم أثرًا في تاريخ البشرية، هو جاء برسالة سلام، وعليه أن يدخل مكة بسلام؛ حتى تنتشر فيها رسالة الإسلام، وكان سخطًا كبيرًا أيضًا اتسعت معه رقعة المعارضة على منهج السلمية، وكيف أنها سبب في ضياع الحق من بين يدي أصحابه، وفيه ذلة ومهانة على زعم من لا يحسنون قراءة المشهد السياسي، أو تكون قراءتهم قاصرة عند أهداف قريبة يريدون الوصول إليها، ولو باستخدام القوة، ولا يمنعهم أحد من ممارسة حقوقهم الطبيعية في الرجوع إلى وطنهم وديارهم وأموالهم.

تبينت نتائج منهج السلمية بعد فترة زمنية قصيرة، نتج منها دخول مكة دون الحاجة إلى إراقة دماء، أو تقطيع أواصر العلاقات المجتمعية، والحفاظ على الجبهة الداخلية متماسكة، بعد التخلص من الطبقة الفاسدة في المجتمع المكي، وكان نصرًا وفتحًا مبينًا.

وفي الثورة الفلسطينية بعض التشابه مع أحداث التاريخ الإسلامي الأولى؛ ثلاث وعشرون عامًا متتابعة هي العمر المكون الأول لاكتمال شكل نشأة الدولة. انتقلت الثورة الفلسطينية من حالة الاستضعاف إلى حالة توازن القوى، وإحداث واقع جديد على الأرض.

في ثلاثة وعشرين عامًا متتابعة أيضًا ابتداء من عام 1987، وبعد مرور عامين قادمين لا أكثر ستكمل الثورة الفلسطينية عامها الثالث والعشرين، وسنكون أمام مرحلة فاصلة من تاريخ الثورة الفلسطنية، يبدأ بعدها عهد جديد، وتنتقل حماس وحركة الجهاد الإسلامي من مرحلة الثورية إلى معركة التحرير القادم، بإذن الله، حسب ما توقعه مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين، الذي تنبأ بزوال إسرائيل في العام 2023 على اعتبارات تاريخية استند إليها، وهي اكتمال مائة عام على احتلال إسرائيل لفلسطين، وأن فلسطين لم تقع تحت الاحتلال أكثر من مائة عام عندما حررها صلاح الدين.

وإذا قسمنا دول المنطقة العربية على حسب أهميتها في بؤرة الصراع العربي الإسرائيلي وسخونته، نستطيع أن نقول إن المنطقة العربية الملتهبة بالصراع هي فلسطين، ثم مصر، ثم سوريا، المنطقة الساخنة هي العراق، ثم لبنان، المنطقة الدافئة هي ليبيا، ثم اليمن، المنطقة الباردة هي بلاد المغرب العربي.

وعليه فإن محددات الصراع ونجاح الثورات في تلك الدول يتوقف على حسب تأثيرات المتغيرات فيها على التأثير في نتائج الصراع. ما يزال الغموض وضبابية المشهد السياسي يطغى على مصير تلك البلاد. وما يزال رد الفعل في كل دولة تجاه تلك الثورات متباينًا إلى حد كبير.

فما تاثيرات منهج السلمية في تطورات الأحداث في مصر؟ وما نتائجها المستقبلية؟ وهل من الوارد في اتجاه حسم الصراع في مصر تغيير منهج السلمية واللجوء إلى العنف أمر مطروح وممكن؟!

أم ستظل السلمية منهجًا مستمرًّا لتحييد القوة الغاشمة، واستبعاد استخدام السلاح من دائرة الصراع؟ هل هناك بوادر تغيير قادمة رغم ضبابية المشهد السياسي؟! وللحديث بقية إن شاء الله، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد