التاريخ: 5 فبرابر 2016م.

التوقيت:12 ونصف بعد منتصف ليل القاهرة.

المكان: برنامج انفراد على قناة العاصمة.

النائب البرلماني ومقدم برنامج التوك شو ومالك قناة العاصمة المدعو سعيد حساسين، يستضيف شابًّا يدعى مصطفى وأحد رجال الدين الأزهريين.

السؤال الذي ينتظر المشاهدون الإجابة عليه: تُرى ما هو موضوع الحلقة؟

الإجابة ببساطة أن الأخ مصطفى يدعي أنه المهدي المنتظر!

موضوع شيق ومن المؤكد أنه سوف يلاقي إععجاب المتابعين، ومن المحتمل أيضا أن يجد الأستاذ حساسين نفسه في اليوم التالي وقد أصبحت حلقته (تريند) على مواقع التواصل الاجتماعي.

تبدأ الحلقة، ومع بدايتها تظهر إرهاصات النجاح المنتظر لها، فالأخ مصطفى لا يكتفي بادعاء كونه المهدي المنتظر بل إنه سرعان ما يؤكد انه المسيح بن مريم نفسه!

العالم الأزهري الذي كان مبتسمًا منذ بداية الحوار يبدأ في التململ على مقعده، ذلك أن الشاب الجالس أمامه لا يعترف بمنهجيته ولا بمنطقه ويهاجمه ويتهمه بالجهل وضيق الأفق.

 

عينا حساسين ما تزال تظهر فيهما آثار اللمعان والبريق، يفرك يديه في نهم وعلى وجهه ابتسامة طمع وجشع، الحلقة ما تزال في بدايتها ومنحنى الإثارة يتصاعد تدريجيًّا.

مرحى .. مرحى، إنه النجاح الباهر يقترب إذن.

 

تستمر الحلقة وسط اتصالات غاضبة من المشاهدين وبرود مستفز من مصطفى ومحاولة من الدكتور الأزهري لأن يصل لأرض مشتركة من الحوار مع خصمه السمج.

وفجأة يلقي مدعي المهدية بالقنبلة، إنه يقول صراحةً إنه الله تعالى عز وجل نفسه. ينعقد لسان العالم الأزهري ولا يحرك ساكنًا، أما حساسين فيتلقف هذا الإعلان وقد وصل بريق عينيه إلى المنتهى، وصارت هيئته تقترب كثيرًا من التاجر اليهودي المرابي (شيلوك) في رائعة شكسبير تاجر البندقية، إنه متأكد الآن من نجاح حلقته وانتشارها.

تستمر الحلقة على مدار أكثر من ستين دقيقة.

ستون دقيقة من التجديف والكفر والجنون والعته

والمداخلات الهاتفية المتواصلة بدأت في توجيه الشتائم الصريحة لمدعي الألوهية، وحساسين يدافع باستماتة عن ظهور ضيفه ويبرر ذلك بالحق الأصيل في أن يعرف المجتمع بما يدور فيه والحق في حرية التعبير وحرية الفكر وحرية الكفر وحرية الجنون و … و … و … إلى آخر حلقات تلك السلسلة المتتالية اللامتناهية من الحقوق العبثية.

 

وفي أثناء النقاش العابث الدائر بين الأطراف الثلاثة، ينفعل مصطفى فيهدد بأنه سيعاقب الشيخ الازهري، ثم تأخذه الجلالة فيهدد بإعدام محمد مرسي والسيسي والملك سلمان ملك السعودية.

هنا – وهنا فقط – يختفي البريق واللمعان من عيني حساسين، وتتحول هيئته التي كانت قريبة الشبه من التاجر اليهودي المرابي، لتأخذ شكلاً جديدًا مقاربًا لشكل الرجل الأخضر الأسطوري (هالك) الذي يتحول شكله ليصبح مسخًا رهيبًا عند الغضب.

 

حساسين سرعان ما قاطع مصطفى، هاجمه بضراوة وشراسة وعنف، وبخه واعترض على كلامه وطرده شر طردة أمام أعين الملايين الذين يتابعون برنامجه في التلفاز.

 

حساسين الذي لم يجد مشكلة في كل الكفر والتجديف الذي قاله الشاب المجنون – أو الباحث عن الشهرة – طوال الحلقة، لم يتحمل أن يُذكر أمامه السيسي أو سلمان بسوء

 

في لحظة واحدة ذهبت جميع الشعارات – الرنانة المفرغة من المعاني والمضامين – من حرية الرأي والتعبير إلى حقوق المجتمع في الاطلاع والمعرفة، ذهب كل هذا أدراج الرياح.

 

كيف تجرأ هذا الشاب أن يهاجم السيسي وسلمان؟

سؤال دار في العقل الباطن لحساسين بعد انتهاء الحلقة، وقد انزوى في ركن غرفته وحيدًا منفردًا.

ترى كيف يُصلح ما حدث في تلك الحلقة؟ وكيف يداري على التهديد الأحمق الذي صدر من هذا المجنون المعتوه ضد الزعماء العرب؟

ترى هل ينتظر مكالمة هاتفية من أحد الأجهزة السيادية في الدولة لتوبخه وتعاقبه على ما صدر من ضيفه في الحلقة؟ أم أن أحدًا من تلك الأجهزة لن يلقي بالًا لما حدث في ظل الاضطرابات المتفاقمة في شتى المجالات؟

يدعو الله ألا يجعل أحدًا يلتفت إلى حلقة اليوم وأن يُنسيها من ذاكرة كل من تابعها، ولتذهب معدلات المتابعة وتريندات يوتيوب وفيس بوك إلى الجحيم.

ثم يتذكر في نهاية هذا التفكير العميق، أنه قد دافع عن الزعماء بقوة وشراسة فيستريح وتطيب خواطره وتسكن هواجسه وشكوكه، ويهرع إلى معد البرنامج لمناقشة موضوع حلقة الغد لعلها تحقق ما فشل في تحقيقه اليوم.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد